أخبار اقتصادية- عالمية

مستقبل المساعدات الإنمائية في خطر بعد الجائحة .. مرشحة للتراجع 25 مليار دولار في 2021

يجزم الخبراء بأن الركود الاقتصادي بات قاب قوسين أو أدنى من الاقتصاد العالمي، والسبب في ذلك جائحة كورونا، لكن الخلاف لا يزال قائما بينهم حول الفترة الزمنية للركود، فمنهم من يعده مرحلة مؤقتة ستنتهي سريعا، وبحد أقصى نهاية الربع الثاني من العام المقبل، وآخرون يرجحون أن تمتد الأزمة الاقتصادية المقبلة إلى أعوام، لكن الخلاف في وجهات النظر حول أمد الركود، لا ينفي ما يمكن وصفه بإجماع عالمي، بأن الركود الذي سيصيب الاقتصاد الدولي سيكون الأسوأ منذ الكساد الكبير 1929 - 1939.
وفتحت تلك القناعات الباب على مصراعيه للتساؤل حول المساعدات الإنمائية الدولية ومستقبلها في مرحلة ما بعد الجائحة، فالدول المتقدمة التي اعتادت أن تقدم مليارات الدولارات في شكل مساعدات إنمائية للاقتصادات النامية ومنخفضة ومتوسطة الدخل، ستعاني أزمات اقتصادية حادة، بما يعنيه ذلك من إمكانية تقلص وتراجع تلك المساعدات أو حتى تلاشي الجزء الأكبر منها، بما قد يترك بصمات شديدة القسوة على الاقتصادات النامية، التي تعد المساعدات الإنمائية الدولية واحدة من مصادر التمويل الرئيسة بالنسبة لها، وما تقوم به من دور واضح في تعافيها من أوضاعها الاقتصادية المتدهورة.
لكن الوجه الآخر للعملة قد يجعل الصورة مختلفة، فما يمكن وصفه بضغوط أمريكية أوروبية مشتركة في الوقت الحالي على الصين، واتهامها بأنها أخفت حقائق ومعلومات بشأن فيروس كورونا، كان الكشف عنها في حينه كفيلا بخفض عدد الإصابات والوفيات، بل تقليص حجم خسائر الاقتصاد العالمي، قد تدفع بالصين إلى زيادة مساعداتها الإنمائية للدول الفقيرة في محاولة لكسبها في صفها، وقد يدفع السلوك الصيني هذا واشنطن والاتحاد الأوروبي إلى زيادة حصة المساعدات الإنمائية الرسمية التي يقدمونها للدول النامية في مرحلة ما بعد الوباء.
وهنا قال لـ"الاقتصادية" الدكتور دانيال دوجلاس؛ أستاذ الاقتصاد الصيني والآسيوي في جامعة لندن، إن "بروز الصين قوة جيوسياسية وجيو اقتصادية يغير ديناميكيات المساعدات الإنمائية الدولية الرسمية، فالصين تقدم مساعدة حكومية تمثل تمويلا بشروط ميسرة للغاية للبلدان المحتاجة، وفي الأعوام الأخيرة وللبرهنة على تزايد قوتها الاقتصادية، وتوسيع نفوذها، استخدمت المساعدات الخارجية الإنمائية للمضي قدما في مشروع مبادرة الحزام والطريق".
وأضاف، أنه "وفقا لتقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) ستحتاج البلدان النامية إلى حزمة مساعدات بقيمة 2.5 تريليون دولار للتعامل مع التداعيات الاقتصادية لوباء كورونا، وتتضمن تلك التداعيات هروب رؤوس الأموال الأجنبية من البلدان النامية، انخفاض قيمة العملات المحلية، وخسائر عائدات الصادرات، بما في ذلك انخفاض أسعار السلع الأساسية وعائدات السياحة، وتقترح الأونكتاد أن تتضمن حزمة المساعدات تريليون دولار لإلغاء الديون، وتريليون دولار أخرى لضخ السيولة في الاقتصادات النامية، ونصف تريليون دولار في شكل مساعدات إنمائية رسمية".
هذا الرقم المقترح يستبعد بالطبع أن يتم الوصول إليه، فالعام الماضي وقبل جائحة كورونا، بلغ إجمالي المساعدات الإنمائية الرسمية المقدمة من 29 دولة مانحة بما في ذلك الولايات المتحدة، من خلال لجنة المساعدة الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نحو 152.8 مليار دولار، وكانت الولايات المتحدة أكبر المانحين بـ34.6 مليار دولار، وكنسبة مئوية من الدخل القومي الإجمالي للولايات المتحدة بلغت المساعدات الإنمائية 0.16 في المائة، بينما اعتمدت الأمم المتحدة نسبة 0.7 في المائة من الدخل القومي الإجمالي للمانحين كمساعدة إنمائية رسمية.
من جانبها، أوضحت الباحثة الاقتصادية لورا بالومبوا، أن هدف الأمم المتحدة تخصيص 0.7 في المائة من الدخل القومي مساعدات إنسانية ظل حبرا على ورق، وعدد محدود من الدول الأعضاء في لجنة المساعدات الإنمائية حقق هذا الهدف، أما المتوسط العام للمساعدة الإنمائية الرسمية لأعضاء لجنة المساعدة الإنمائية، لم يتجاوز 0.4 في المائة من الناتج القومي الإجمالي.
وذكرت بالومبوا لـ"الاقتصادية"، أنه لو كانت الدول الأعضاء في لجنة المساعدة الإنمائية قد التزمت بهدف 0.7 في المائة، لحصلت البلدان النامية على تريليوني دولار إضافية خلال الفترة منذ الأزمة المالية 2008 حتى الآن".
وتابعت قائلة "الصين توسع بهدوء تمويلها الرسمي للاقتصادات النامية، وهذا مزيج من المساعدات الإنمائية الرسمية وأشكال أخرى من التمويل الميسر، وخلال الفترة من 2000 إلى 2014 أي خلال 15 عاما بلغ التمويل الرسمي الصيني 354.3 مليار دولار مقابل 394.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها، والصين توجه مساعداتها للقارة الإفريقية بالأساس، لكن دول أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وجنوب آسيا وآسيا الوسطى حتى روسيا استفادت من المساعدات الصينية التي تركزت في قطاعات الطاقة والاتصال".
إلا أنها تعتقد أنه حتى الصين سيكون من الصعب عليها للغاية أن تزيد من مساعداتها الإنمائية في مرحلة ما بعد جائحة كورونا، مبينة أنه في الأغلب سيسود منطق أن تعتني كل دولة بنفسها أولا قبل أن تتجاوز حدودها، خاصة أن جائحة كورونا قد كشفت الحاجة الماسة إلى دعم القطاع الصحي حتى في الدول المانحة، ما يوجد رأيا عاما مناديا بأن توجه أموال المعونات الخارجية إلى القطاع الصحي في الداخل.
وتشير بعض التقديرات الدولية إلى أن المساعدات الإنمائية الدولية ستنخفض بنحو 25 مليار دولار العام المقبل، نتيجة الأوضاع الاقتصادية السيئة في البلدان المانحة، خاصة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دعا مرارا وتكرارا إلى قطع المساعدات الخارجية، والموازنة المقترحة لـ2021 تتضمن تخفيضا 21 في المائة من المساعدات الخارجية، بما في ذلك قطع برامج المساعدات في مجال الصحة العالمية.
وعلى الرغم من واقعية التقديرات المتعلقة بانخفاض القيمة الإجمالية للمساعدات الإنمائية الدولية، لكن لويس سميث الخبير الاستشاري في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أشار إلى أن انخفاض المساعدات العام المقبل قد يمكن تفهمه بسبب الركود الاقتصادي الذي سيصيب أغلب الدول إن لم يكن كل الاقتصادات المانحة، لكنه يحذر من أن يصبح ذلك اتجاها مستقبلا، لأنه سيؤثر في معدلات نمو الاقتصاد العالمي، بما فيها الاقتصادات المانحة ذاتها.
وذكر لـ"الاقتصادية" أن هناك حاجة إلى استمرار المساعدات الإنمائية الخارجية للبلدان الفقيرة ومنخفضة الدخل لحماية الاستثمار المستمر منذ عقود في عديد من القطاعات، ومن بينها القطاع الصحي في تلك البلدان.
وقال إن جائحة كورونا كشفت أنه إذا انهار أو تضعضع القطاع الصحي في الاقتصادات الأشد فقرا، فإنه في حال تكرر سيناريو انتشار أوبئة مشابها لفيروس كورونا، فإن البلدان المتقدمة أو المانحة قد لا تستطيع أن تنجو، ومن ثم فإن تقديم البلدان المانحة تلك المساعدات لا يعود بالنفع على الاقتصادات الفقيرة فقط، بل يعود بالنفع على الاقتصادات المانحة أيضا.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية