العمل عن بعد وخفض التكاليف

|

مما يذكر فيشكر في هذه الجائحة، ذلك التطور المذهل في تقنيات الاتصال عن بعد، ووسائل عقد الاجتماعات، وتطبيقات التوقيع الإلكترونية، ولو أن هذه الجائحة أتت في وقت غير هذا، فإن ضعفا هائلا في الإنتاج كان سيحل حتما على البشر، وستتقطع بالناس السبل، لكن هذه التقنيات جاءت رحمة من الله في وقت الناس أشد ما تكون بحاجة إليها.
وإنه بعد كورونا أصبح العمل عن بعد من المؤشرات العالمية في بعض الخدمات والقطاعات، خاصة الأنشطة التجارية المختلفة وما يدخل في نطاقها، وانفتح الباب على مصراعيه في هذا الجانب، خاصة في مجال الخدمات والطلبات للجمهور من قطاعات مختلفة، واحتل مساحة كبيرة باعتباره من الأنشطة المطلوبة تفاعلها حاليا. لكن هنالك تساؤلات تطرح، هل ستظل وتيرة هذا المفهوم مستمرة عقب التعافي من انتشار فيروس كورونا والحد منه؟ وهل تستطيع الشركات استعادة قوتها الشرائية من متعاملين وزبائن وعملاء معها؟ وما الاحتمالات المتوقعة في هذا الجانب؟
حقيقة أن التقنيات الحديثة مكنت كل القطاعات الإنتاجية من ممارسة أعمالها واتخاذ القرارات وتوزيع المهام دون الحاجة إلى الجلوس على طاولة واحدة، وهذا مكن من إبقاء العمل عند مستويات الإنتاج المطلوبة مع المحافظة على الاحترازات الطبية التي تتطلبها مكافحة المرض. ومع هذه النتيجة المهمة جدا، فإن مفهوم العمل عن بعد وجد اهتماما واسعا جدا في العالم اليوم، واعتمد كثير من القطاعات على تحريك أنشطته من هذا المنطق، مثل المطاعم، كما دخلت الصيدليات بقوة في هذا المجال، نظرا إلى الظرف الصحي الحالي، وانتشر كثير من التقارير عن هذا المفهوم الجديد لدخول ممارسته في كثير من القطاعات التجارية، فما هو؟ وما محدداته وأدواته؟ وإلى أين سيمضي بنا؟
وهنا تشير التقارير العالمية إلى أن هناك ثلاثة محركات تدفع نحو زيادة فرص العمل عن بعد، وهي زيادة الربط الشبكي بين مختلف دول العالم، وفي داخل الدول، وتحويل مزيد من أوجه العمل إلى بيانات رقمية، وكذلك المهارات المرتبطة بالتقنية. فأي دولة حققت تقدما في هذه الجوانب، فإنها قادرة على توفير فرص للعمل عن بعد، وأي منشأة رفعت من قدراتها في هذه العوامل، فإنها على توافق تام مع فرص العمل عن بعد. لكن من اللافت أن مفهوم العمل عن بعد لم يكن وليد الحالة الراهنة اليوم، ولم يكن نتيجة حتمية للظروف، بل هو مفهوم قديم نشأ منذ نشأة مفهوم العولمة ذاته، حيث بدأ كثير من شركات الاتصال توظيف عديد من الشباب حول العالم لتقديم خدمات عن بعد، وسعى البنك الدولي إلى تطوير هذا الأنموذج لتقديم حلول للدول الأقل دخلا من أجل توفير فرص عمل أفضل مع شركات عابرة للقارات، لكن كانت هذه المبادرات تواجه صعوبة بشأن شبكات الاتصال، وأيضا بشأن مهارات التواصل بين الفرق الافتراضية التي تتطلب لغة مشتركة، وهذه الجهود كانت ملموسة على كل حال.
لقد كان العمل عن بعد مفهوما بارزا، لكن كورونا وضعه في الصورة تماما، فقد أثرت الجائحة بشكل كبير في قدرات المؤسسات بمختلف أنواعها وتطلبت إعادة النظر في تكاليف العمل، وبيئته، حيث وفر العمل عن بعد وسيلة متميزة للتخلص من عديد من التكاليف المرتبطة، مثل تكاليف إيجار المكاتب وصيانتها، والحراسات عليها، كما وفر كثيرا في تكاليف النقل، وقد يقدم حلولا لكثير غيرها. لذا، فإن شهية أصحاب العمل أصبحت مفتوحة لهذا الأسلوب، وما قدمه من طريقة مميزة لتقييم الإنتاجية والمحاسبة عليها، والمساءلة أيضا، على أنه يقدم لمفهوم أكثر تطورا، وهو مفهوم العمل في أي وقت وأي مكان، وهذا يمثل مرحلة أخرى لا تقل أهمية. ومن المؤكد الآن أن هذا الأسلوب سيكون منافسا قويا، لأن العمل عن بعد يقدم ميزة تخفيض التكلفة، وبالتالي فإن حركة التجارة ستتأثر وسلوك المستهلك أيضا، لكن الجزم بشأن سلوك المستهلك وقدرة الشركات على المحافظة على الحصص والأسواق سيكونان مرهونين بعديد من التحديات التكنولوجية وتحديات سرية الأعمال والأمن السيبراني، فالعمل والتجارة عن بعد يجعلان الشركات والعملاء عموما عرضة لمثل هذه المخاطر.
وإذا كانت الشركات ستواصل العمل بهذا الأنموذج بعد كورونا، فإن عليها معالجة هذه المسائل، وأن تطور سياساتها وتقدم خطط استدامة العمل لضمان عدم انقطاع الأعمال.

إنشرها