«جود الإسكان» والبرامج الاجتماعية

|

منذ أن بدأت مرحلة التحولات التي نعيشها اليوم، كان لذلك الأثر الكبير في المجتمع، فالمجتمع السعودي قبل 50 عاما أو أكثر، كان مجتمعا محدودا والإمكانات لأفراده متقاربة نسبيا مقارنة بالوضع الحالي، وكانت البرامج الاجتماعية الحكومية تصل إلى الجميع من خلال دعم السلع والوقود ودعم برامج الإسكان وبرامج الدعم للمشاريع الزراعية والصناعية وغيرها، واستفاد منها كثير من أبناء المجتمع، ما انعكس لاحقا على الرخاء الذي تعيشه أسرهم وأبناؤهم اليوم. كبر هذا المجتمع وتعقدت احتياجاته، وأصبح بين أبنائه نوع من الفروق في الظروف العامة كأي مجتمع متوسط أو كبير نسبيا في عدد السكان، فالبعض يعمل في مجالات يحصل منها على دخل عال، والآخر قد يعمل في وظيفة عادية بدخل متوسط، وأمثلة مختلفة يتضح منها التفاوت النسبي بين أفراد المجتمع عامة في الظروف الاقتصادية. هذا التطور الطبيعي الذي يمكن أن يحصل في أي مجتمع، تطورت معه البرامج الاجتماعية، وعزز من ذلك التوظيف المميز للتقنية في تحقيق أهدافها.
لا شك أن المجتمع في المملكة مجتمع كريم معطاء، ينظر إلى العطاء بأنه سبب لرضى الله وما نحن فيه من خير ورخاء، لذلك دائما ما يبحث بالوسائل كلها ليضع ما لديه من تبرع أو صدقة أو زكاة في مجالات متعددة، إلا أن هذه البرامج الاجتماعية كانت في الأغلب تقدم من خلال بعض المؤسسات الاجتماعية أو الجمعيات الخيرية، ورغم العطاء الكبير والسخي من قبل المجتمع، يجد أن هناك نوعا من عدم وجود الأثر الفاعل الذي يتناسب مع هذا العطاء، ولعل من أسباب ذلك ضعف الكفاءة في تنفيذ البرامج الاجتماعية وعدم وجود قاعدة للمعلومات يمكن أن تيسر وصول الدعم إلى المستحق، إضافة إلى ضعف الكفاءات، أي الموارد البشرية، سواء في توافرها وتفرغها أو قدرتها على إدارة كم هائل من الأموال والتبرعات والقدرة على الاستفادة المثلى منها، كما أن كثيرا من الجمعيات يمارس أنشطة وبرامج متشابهة، ما يضعف من كفاءة التشغيل لديها، ويزيد من التكاليف التي لا حاجة إليها. من هنا، فإن البرامج الحكومية، فيما يتعلق بتيسير وصول الدعم أو التبرع إلى مستحقيه، كانت مثل البلسم لكثير من الأسر، وتميزت هذه البرامج بالشفافية العالية التي تتعلق بالحالات التي تحتاج إلى الدعم، مع مراعاة المحافظة على كرامة المحتاجين وسرية المعلومات الخاصة بهم، وكان لها دور في قدر من الراحة للمتبرع، والرضى الكبير والاطمئنان من قبل الإخوة المحتاجين، الذين قد يرى بعضهم في فترة سابقة أن المجتمع مقصر معه وقت الحاجة، رغم أنه ينفق بسخاء بسبب الفجوة بين المتبرع والفئات المحتاجة إلى الدعم.
كما أن هذه البرامج تتميز بأنها تصل بالكامل إلى المحتاج.
لذلك، برنامجا فرجت وجود الإسكان كانا في الحقيقة أنموذجا مميزا في طرق التنوع ونوع الحاجة التي تركز على الاحتياج الأهم. كما أن لمثل هذا الإجراء أثرا كبيرا، إذ إن مثل هذا الدعم يعزز من فرص وقدرة الفرد على العمل والإنتاج عند خروجه من السجن، حيث إن كثيرا من هذه الحالات، هي لتعثر البعض عن سداد ديونه بسبب أنشطة وأعمال تجارية، وخروجه يعني أنه سيتعلم من دروس الحياة ليتمكن من تجاوز أزمته والبدء بنشاطه التجاري أو العمل في ظروف وفرص أفضل.
من المهم اليوم مراجعة الأنشطة الاجتماعية والخيرية بما يعزز من قدرتها وكفاءتها فيما يحقق مصلحة المجتمع وأمنه واستقراره ورخائه، كما أن المراجعة من المهم أن تأخذ في الحسبان أمورا، منها مراجعة الهياكل التنظيمية لهذه المؤسسات، وتحديد البرامج والأنشطة، ودمج ما يمكن دمجه منها، والاهتمام بتوطين الوظائف في تلك المؤسسات، وأن يكون هناك شفافية عالية في رواتب وميزات الموظفين، إضافة إلى وجود مجلس إدارة وهيكل تنظيمي للموظفين وتقارير دورية تنشر من خلال منصة موحدة لهذه المؤسسات، إضافة إلى حوافز للمؤسسات الأكثر كفاءة في تحقيق الأهداف المطلوبة.
فالخلاصة، إن العطاء سمة تميز المجتمع السعودي، وبرامج مثل جود الإسكان وفرجت، كان لهما دور كبير في إبراز جانب العطاء في هذا المجتمع لوصول الدعم مباشرة إلى المحتاج، إضافة إلى الشفافية العالية في وصف وثقة المجتمع بالجهات المشرفة على تحديد الحالات المحتاجة، وهذا التحول الإيجابي من المهم أن يكون منهجا لتطوير المؤسسات الاجتماعية والخيرية في المملكة.

إنشرها