التوقف الاستثنائي والتخطيط المالي

|
من المؤكد أن لحظات التوقف والتجديد مثل: بداية العام الهجري أو الميلادي، وبداية الدراسة والأعياد وموسم رمضان، فرصة ممتازة لمراجعة السلوك المالي الشخصي. واليوم، في ظل الجائحة التي في طريق الذهاب بلا عودة - بإذن الله - تمر علينا لحظات استثنائية للتوقف، فيها من الحيزين المكاني والزماني ما لم نجربه سابقا، ولن نراه مرة أخرى على الأرجح. ولو حاولنا ربط ذلك بالتخطيط المالي وأفكاره وممارساته، نجد أن هناك عدة ملامح استثنائية تؤثر بشكل مباشر في قدرتنا على التخطيط والإدارة المالية. الأول، ما ارتبط بالإجراءات التي تقلل من الحركة، وأثر ذلك في الصرف والروتين الاستهلاكي الخاص بنا. الثاني، ما ارتبط بالخيارات الاستهلاكية المتاحة سواء التي تغيب مؤقتا أو تلك التي ظهرت فجأة. والثالث، الظروف الاقتصادية التي لا نتحكم فيها، مثل ما يؤثر في الأعمال والمشاريع. تصنع هذه العناصر مجتمعة أجواء مختلفة من الظروف الاستثنائية.
لكن، ماذا يمكن أن نفعل في مثل هذه الأوقات؟ على مستوى الفرد، نحن نتحدث عن الحاجة إلى اكتساب سلوكيات إيجابية جديدة أو أفعال نمارسها لأول مرة. لا تأتي الأفعال والعادات الجديدة مصادفة، فهي تنشأ نتيجة فهم جديد، أو اكتشاف ذاتي يغير من نظرتنا للأمور، ويحفز إرادتنا لتغيير الواقع. هذا الفهم هو ما يمكن استكشافه خلال هذه الفترات. وهنا أتحدث عن عدّ هذه الفترة فاصلا زمنيا نجد فيه فرصة توقف الظروف بشكلها المعتاد، ويفتح بذلك باب مراجعة ما سبق، مثل ماذا؟ مثل مراجعة السجلات المالية وكشوف الحسابات، وسلوك المصاريف المتكررة وغير المتكررة. والأثر الذي حصل، على سبيل المثال بالقرارات المالية الكبرى التي اتخذناها خلال الأعوام الثلاثة أو الخمسة الأخيرة. وما نتكبده أو نكسبه اليوم بسبب فعل قمنا به في فترة سابقة. ومن ذلك أيضا، مشاهدة ما بحوزتنا اليوم من ممتلكات ومقتنيات تمكننا من تعظيم قيمتها، التي خسرنا من أجلها في وقت سابق وربما مستمرين في السداد لها، ومقارنة ذلك بما خسرنا من أجله، لكنه لم يعد موجودا في حياتنا.
من الجوانب الأخرى التي يمكن استغلالها، تغيير الظروف الاحتفالية خلال فترة العيد، ونحن لا نقول، سيغيب الاحتفال وظروف البهجة والسعادة، بل سيكون كل ذلك موجودا لكن بشكل مغاير يتوافق مع الوضع الحالي. وفي هذه الظروف، يمكن لنا أن نراجع تصميم التجربة والخبرة المالية التي تنشأ لدينا ولدى أفراد الأسرة والأطفال تحديدا. ستتاح فرصة إعادة الترتيب بشكل يعكس الأثر ويحسن منه. ربما لصعوبة الصرف والشراء، يحتفظ الأطفال بعيدياتهم فترة أطول ويؤجلون الشراء لفترات أخرى. من المفيد كذلك في هذه الفترات أن المصارف والخدمات المالية لا تزال تعمل بشكل مستمر عن طريق الخدمات الإلكترونية، وهذا يعني أن إلغاء البطاقة الائتمانية أو تقليل حدها وفتح الحسابات التنظيمية خطوة سهلة يمكن القيام بها من المنزل خلال هذه الفترة، ما يجعل العودة إلى الحياة الطبيعية بعد المراجعة والفهم والعزم على التغيير - بإذن الله - عودة مختلفة بترتيب وتخطيط جديدين.
تشكل هذه الملامح الاستثنائية مع الحيزين المكاني والزماني المتاحين لنا اليوم، فرصة ممتازة للتوقف والتفكير خارج الصندوق، للتوقف والتأمل في واقعنا: ماذا فعلنا في السابق، وماذا نستطيع أن نفعل في المقبل من الأيام؟ الانشغال السابق في العمل اليومي بشكله الروتيني مع الاندماج في العادات الحياتية والاجتماعية، يجعل الحصول على وقت مستقطع مركز لمراجعة ما نمارس، أو كيف نفكر في أفعالنا وواقعنا؟، مسألة صعبة، وهذا مما يتطلب قدرا من الانضباط الذاتي، وقدرة استثنائية على تفريغ المهام والتركيز على ما يمكن التركيز عليه بالتأمل والمراجعة. التوقف لمشاهدة شريط الزمن واستشراف ما يخصنا منه، واستخلاص تصورات جديدة قابلة للتنفيذ، مهارة صعبة قلما يجيدها الأفراد. يمثل الوقت الحالي والأيام المقبلة التي تشكل عزلا في فترة العزل، فرصة ممتازة للقيام بذلك لغياب المشوشات والمشاغل المعتادة، وهذه فرصة قد لا تتكرر لتخطيط مالي أفضل وسلوك إيجابي يتكرر على الدوام.
إنشرها