هل الطلب على النفط بلغ ذروته بالفعل؟

|
واصلت أسعار النفط ارتفاعها خلال الأسبوع الماضي، مدعومة باحتمال حدوث انتعاش في الطلب على النفط، حيث تبدأ الاقتصادات في إعادة الفتح، وتوقع انخفاض كبير في العرض. في هذا الجانب، قالت وكالة الطاقة الدولية، إن إعادة فتح الاقتصادات الكبرى سيمهد الطريق لانتعاش تدريجي لكنه هش. وأضافت، لقد بلغ حجم الإغلاق العالمي نتيجة الحجر الصحي ذروته عند أربعة مليارات شخص، لكن هذا الرقم سينخفض إلى 2.8 مليار شخص بحلول نهاية أيار (مايو) الجاري.
لكن هناك فرق كبير بين ارتفاع الطلب على النفط من مستوياته المتدنية الأخيرة والنمو الفعلي، نسبة إلى اتجاهات ما قبل جائحة كورونا. بعبارة أخرى، ربما انهيار الطلب على النفط بنحو 29 مليون برميل في اليوم سيكون مؤقتا ولفترة قصيرة، لكننا لا نزال بعيدين جدا عن مستويات الطلب عند 100 مليون برميل في اليوم. في هذا الصدد، قالت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري الأخير عن أسواق النفط، "بالنسبة لشهر أيار (مايو)، من المتوقع أن ينخفض الطلب بمقدار 21.5 مليون برميل في اليوم مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، ما يدل على أن إعادة فتح الاقتصادات والرفع المحدود للقيود على الحركة أديا فقط إلى انتعاش طفيف في استهلاك النفط. على سبيل المثال، ارتفعت بيانات الطلب على البنزين في الولايات المتحدة هذا الشهر".
في الواقع، يتساءل البعض عما إذا كان العالم سيعود إلى 100 مليون برميل في اليوم من الطلب على النفط. حتى الرؤساء التنفيذيون لشركات النفط لديهم شكوكهم. في هذا الجانب، أشار الرئيس التنفيذي لشركة رويال داتش شل أخيرا، إلى أن ارتداد الطلب إلى معدلاته السابقة غير محتمل، حتى إنه يتطلع إلى ما بعد عام 2020. وقال، "لا نتوقع انتعاش أسعار النفط أو الطلب على النفط على المدى المتوسط". وأضاف، "لدينا أساسا أزمة عدم يقين. عدم اليقين بشأن الطلب والأسعار. ربما حتى عدم اليقين بشأن جدوى بعض أصولنا، نظرا لجميع المشكلات اللوجستية التي لدينا".
كما اعترف الرئيس التنفيذي لشركة بريتيش بتروليوم بالشيء نفسه إلى حد كبير. وقال، "يمكن أن تؤدي جائحة كورونا إلى ترسيخ بعض التغييرات المجتمعية، مزيد من العمل عن بعد، أقل تنقلا، وأقل طيرانا، ويمكن أن تؤدي إلى تآكل جزء من استهلاك النفط بشكل دائم". وأضاف "هذه لن تزيد الطلب على النفط، بل من المرجح أن يكون الطلب على النفط أقل. لا أعتقد أننا نعرف كيف سينتهي ذلك: هل يمكن أن يكون ذروة النفط؟ ربما. وربما لا يمكنني استبعاد ذلك".
لكن يبدو أنه ليس جميع الرؤساء التنفيذيين يوافقون هذا الرأي. حيث قال الرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل أخيرا، "إن الاتجاهات طويلة الأجل لأسواق النفط لم تتغير".
كما ترى دراسة جديدة صدرت عن شركة IHS Markit، أن الطلب على النفط سيعود غالبا إلى الطبيعي بحلول نهاية عام 2021. قد يكون من الصعب فهمه الآن. لكن نائب رئيس الخدمات المالية في شركة IHS Markit أكد أنه باستثناء موجة ثانية من الوباء، فإن جميع الطلب ما قبل جائحة كورونا يمكن أن يعود تقريبا بحلول النصف الثاني من عام 2021. وترى الشركة أن الطلب على النفط سيرتفع إلى 96-98 في المائة من مستويات ما قبل فيروس كورونا بحلول النصف الثاني من العام المقبل. وأضاف، "إذا حدث ذلك قد يؤدي إلى ضغط على الأسواق على المدى المتوسط، حيث إن انقطاعات الإمدادات قد تعوق قدرة العرض على مواكبة الطلب المتزايد".
هذه التوقعات تتطابق إلى حد كبير مع تقرير معهد أكسفورد لدراسات الطاقة. حيث يتوقع التقرير حدوث عجز في العرض بحلول الربع الثالث من هذا العام بمقدار 1.5 مليون برميل في اليوم، على خلفية تخفيضات العرض الحادة وانتعاش الطلب. يقول التقرير، إن الأسواق قد تعاني نقصا في العرض عام 2021 قد يصل إلى خمسة ملايين برميل في اليوم. لكن المخزون المتراكم يعني أن خام برنت سيتداول في نطاق 40 إلى 50 دولارا للبرميل لمعظم العام المقبل. يرى تقرير أكسفورد أيضا أن الطلب سيعود في الأغلب إلى مستويات ما قبل الوباء في نهاية عام 2021.
تكمن المشكلة في هذه التوقعات في أن الموجة الثانية من جائحة كورونا لا يمكن استبعادها تماما، وربما تكون محتملة، وهو أمر يعترف به عديد من المحللين ومراكز المعرفة والرؤساء التنفيذيين، وهو عدم يقين كبير. هذا ما سيخبرنا به الوقت.
لكن التغييرات الدائمة في بعض السلوكيات المجتمعية، إلى جانب التقدم الحاصل في مجال السيارات الكهربائية، يتجاوز دورات أسواق النفط التقليدية. إذا عاد الطلب، وحدث الازدهار بعد الانهيار، فإن التحول إلى طاقة أنظف سيتسارع، وذلك حتى قبل التفكير في أي تدابير تحفيز خضراء قيد النظر الآن.
إحدى القضايا المهمة التي يثيرها تقرير أكسفورد، هي كيفية استجابة المنتجين الرئيسين بعد أن تنحسر الأزمة الحالية. حيث تقول دراسة أكسفورد، إنه مع احتمال ظهور ذروة الطلب في الأفق، فإن هناك مزايا للمنتجين الذين يتمتعون تكاليف إنتاج واطئة إذا اتبعوا استراتيجية إنتاج عال / أسعار منخفضة. أي أنهم قد يرغبون في زيادة الإنتاج في الأعوام المقبلة من أجل استثمار احتياطياتهم المتبقية مع وصول الطلب ذروته وبدء الانخفاض.
إن خفض الإنتاج بصورة كبيرة جدا في محاولة لدفع الأسعار إلى 50 دولارا للبرميل أو أعلى، من شأنه أن يمهد الطريق لعودة معدلات إنتاج جديدة لبعض أنواع النفط بقوة. ولذلك من الأفضل إبقاء الأسواق مزودة بالإمدادات بشكل جيد، والاستحواذ على حصة أكبر في السوق.
يتفق محللون آخرون مع هذا الرأي. لكن السؤال هنا: هل سيتمسك تحالف "أوبك+" بعد ذلك بتخفيضات الإنتاج من أجل اختيار السعر بدلا من حصة السوق، بمجرد أن تتحرك أسعار النفط مرة أخرى إلى 50 دولارا للبرميل، وبالتالي تحاول دفع الأسعار من جديد إلى 60 و70 دولارا للبرميل عن طريق خفض الإنتاج؟.
لذلك على تحالف "أوبك+" إيجاد توازن بين حصة السوق وأسعار النفط بما يخدم المجموعة على المديين المتوسط والطويل، وفي الوقت نفسه يحافظ على نمو الطلب على النفط ويؤجل ذروته.
إنشرها