التركيبة السكانية وتأثيراتها

|

ما المقصود بالتركيبة السكانية؟ التركيب السكاني أنواع كثيرة، فهناك التركيب العمري - حسب الأعمار -، والتركيب النوعي - ذكور وإناث -، والتركيب العرقي، والتركيب الديني أو المذهبي، والتركيب حسب الجنسية، وغيرها. ومن بين هذه الأنواع الكثيرة، يحتل التركيب حسب الجنسية أو التركيب العرقي أو الديني أهمية كبيرة للاستقرار الداخلي للدولة، في حين يحتل التركيب العمري الأهمية الكبرى في التغير السكاني وما له من تأثيرات في التوظيف والبطالة وتداعيات شيخوخة المجتمعات.
ويعتقد الديموغرافيون - وهم على حق - أن البعد الديموغرافي يدخل في كثير من القضايا والصراعات والمشكلات السياسية، وكذلك في كثير من القضايا ذات الطابع المحلي. فالقضية الفلسطينية - على سبيل المثال - تتأثر بالبعد الديموغرافي الذي يعرقل الحلول المطروحة، ففي هذه القضية يتجسد الصراع الديموغرافي منذ عقود، من خلال تفوق المرأة الفلسطينية من حيث معدلات الإنجاب على المرأة الإسرائيلية؛ ما ينعكس في غير مصلحة الدولة العبرية على المدى الطويل، لذلك تسعى إسرائيل إلى وضع الضغوط لتهجير السكان من أراضيهم، وفي المقابل، استقبال المهاجرين اليهود من الخارج.
وفي لبنان، يتجسد البعد الديموغرافي في التوتر السياسي بين حين وآخر، نتيجة عدم انطباق الهوية الوطنية الأساسية المفضلة من حيث الانتماء الديني والمذهبي مع الواقع الديموغرافي، فبعض الفئات السكانية أصبح أكبر حجما مما كان عليه في الماضي، وأكبر مما كان يعتقد، لذلك تزداد التوترات والصراعات على النفوذ السياسي.
كما أن الصراع الطائفي الداخلي في العراق نتج عن عدم التمكن من التعايش السلمي تحت مظلة الاحتواء الشمولي لكل الفئات السكانية، حيث إن الهوية الوطنية السنية لا تتطابق مع الواقع الديموغرافي ذي الأغلبية الشيعية.
وليس ببعيد عن ذلك قصة تفكك الاتحاد السوفياتي، فإلى جانب حرب أفغانستان الاستنزافية وانتشار المخدرات بين الشباب الروسي، فقد كان للبعد الديموغرافي دور في التفكك نتيجة تحول المجموعة العرقية السلافية الرئيسة إلى أقلية، نتيجة انخفاض معدلات الإنجاب؛ ما أدى إلى تهديد مكانتها، خاصة مع سياسة الانفتاح وإعادة الهيكلة التي تبناها ميخائيل جورباتشوف لإنقاذ الاقتصاد التي فتحت الباب على مصراعيه أمام المجموعات العرقية الأخرى للتعبير عن امتعاضها والمطالبة بحقوقها في التعليم والتوظيف؛ ما نتج عنه توتر العلاقة مع موسكو، ومن ثم تفكك الاتحاد السوفياتي نهاية الأمر.
والدول الخليجية ليست بمنأى عن تأثيرات الخلل في التركيبة السكانية نتيجة ارتفاع نسب الوافدين الذين أصبحوا يمثلون الأغلبية الساحقة في كثير من دول مجلس التعاون الخليجي؛ ما يهدد الهوية الوطنية، وهذا الوضع لم يكن غائبا عن أذهان المسؤولين في هذه الدول، الذين بادروا إلى تبني برامج متنوعة لتوطين الوظائف والمهن ونحوها.
ومن القضايا التي تستقطب بعض الاهتمام في الولايات المتحدة إمكانية فقدان مجموعة البيض من ذوي الأصول الأوروبية Whites مكانتها كأغلبية سكانية في المستقبل، فقد انخفضت نسبة السكان البيض من 90 في المائة عام 1950 إلى 60 في المائة عام 2018، ومن المتوقع أن تنخفض النسبة إلى أقل من 50 في المائة قبل منتصف القرن الحالي.
ختاما، طريق النجاة لتجنب الصراع الداخلي والمشكلات الناتجة عن الخلل في التركيبة السكانية هو صياغة سياسة سكانية مناسبة للحد من تدفق الهجرة الوافدة بمعدلات كبيرة في حالة الدول التي تستقطب الهجرة الدولية من جهة، وتبني مبدأ الاحتواء الشمولي وعدم مصادرة حقوق الأقليات كي يعيش جميع الناس في وئام وسلام وتعايش في حالة الدول متعددة الأقليات العرقية أو الدينية أو المذهبية من جهة أخرى.

إنشرها