الأزمات فرص للتفكير الراشد

|
الأزمات أيا كانت طبيعتها، وقوتها، لا بد أن تحدث تغييرا، سواء في الفرد، أو المجتمع ككل، بأفراده، ومؤسساته، والتغيير قد يكون شاملا، أو جزئيا، حيث ينعكس على حياة الناس، وأعتقد أن التغيير المناسب هو الذي يبدأ بطريقة التفكير التي اعتادها الأفراد، أو المنظمة، سواء كانت عامة، أو خاصة، فطريقة التفكير لها دور حاسم في تغيير الاتجاهات، والميول، والسلوك، فبذرة الفكرة التي يؤمن بها الشخص كان عاديا، أو قائدا لشركة، أو جهاز حكومي تنعكس بشكل مباشر على الاختيارات، وتقدير الأمور، ورسم طريق وصورة الحياة التي يريدها، من حيث مناسبتها من عدم ذلك.
بعض الناس طريقة تفكيره في التعامل مع المال قائمة على المثل الشعبي القائل "اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب"، ومع أني لا أعرف تاريخ وجود هذا المثل، ولا من أوجده ابتداء، إلا أن معناه يشي بالسلوك الإسرافي غير المبالي بالأمور، وهذا ربما يفسر لنا وقوع كثير من الأفراد في وضع مادي سيئ، نظرا لعدم تصرفه بعقلانية، وبشكل متوازن بين الدخل، والاحتياجات؛ مع ضرورة الأخذ في الحسبان الظروف الطارئة التي قد تواجهه يوما من الأيام، ولا أدل على ذلك من جائحة كورونا التي تأثر بها دخل كثير من الناس في كل أنحاء العالم؛ ما اضطر بعض الحكومات إلى التدخل لمساندة الناس، وصرف معونات لهم.
السجون تضم كثيرا ممن هم على شاكلة "اصرف"، ولا تبالي، حتى يصل إلى مرحلة العجز، ومن ثم الاستدانة من قريب، أو زميل، بل أخذ قرض من مصرف أو مؤسسة تمويل، دون تفكير في العواقب؛ ليجد نفسه في محاكمات، ومن ثم في السجن بعد عجزه عن سداد الدين الذي عليه.
هل من يمر بهذه التجربة السيئة، وهي الأزمة يخلص منها بتغيير في طريقة تفكيره التي تنعكس على تصرفاته، في ظني أن من يتسم بالرشد، والتعقل يستفد، ويراجع ذاته، ويغير طريقة تفكيره لتتسق مع التوجيه الرباني: «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا»، إن فقدان الرشد خاصية عقلية يعانيها البعض فما إن يمتلك مالا إلا ويتسلط عليه، صرفا من هنا، أو هناك، حتى لا يبقي ولا يذر ليعيش الحسرة والندم فيما بعد، وليته يستفيد من الدرس، بل يكرر الأمر مرة تلو مرة، ويخرج من أزمة ليدخل في أخرى.
قراءة في سير بعض الأفراد والمجتمعات تكشف أن البعض قد دخل السجن عدة مرات؛ لأسباب مالية؛ لسوء تصرفه، وافتقاده النضج، وحسن التصرف، رغم ما مر به من أزمات مالية، وإحراج أمام أهله، ومعارف، وأوجد صورة ليست حسنة في أعين أبنائه.
بعض المجتمعات هي الأخرى لا تستفيد من الأزمات التي مرت بها عبر تاريخها، والسبب المؤكد - كما أعتقد - افتقاد الرشد، كأنها تتمثل المثل الذي سبقت الإشارة إليه، فالأزمة لهذه العينة ما هي إلا ظرف طارئ، ومؤقت، يتم الصبر عليه أياما، أو شهورا، وننحني للعاصفة، وما إن تزول العاصفة الأزمة حتى تعود الأمور إلى ما كانت عليه من إسراف، وبذخ، وصرف للأموال في غير أماكنها الصحيحة، كأن شيئا لم يكن و"تعود حليمة لعادتها القديمة".
المحنة، أو الأزمة عدها منحة، لكنها ليست لكل أحد، بل لمن يستخدم عقله، ويوظفه بالشكل المناسب، و"كوفيد - 19" فرصة مراجعة للأفراد، والمجتمعات لما قبل، والمراجعة والمحاسبة توصلان العاقل إلى الخروج بدروس قد يندم الفرد، أو المجتمع على عدم استثمارها، وأول الدروس السؤال، والبحث عن إجابة له، هل كانت لدي، أو لدينا قائمة أولويات نسير وفقها خلال الفترة الماضية؟، فالفرد قد يسأل نفسه هل سعيت إلى تأمين منزل لي ولأبنائي؟ وهل اهتممت بتعليم أبنائي التعليم الجيد؟ وهكذا.
المجتمع بدوره يسأل هل كان لدي قائمة أولويات؟ وما هي إن وجدت؟ وهل هي مناسبة للفترة الماضية؟ وهل لي أن أعدلها وأنفذها وفق جدول زمني مناسب، مع تحديد الاحتياجات المطلوبة لتنفيذها؟
فيما يتعلق بالمجتمعات ربما تحتاج إلى مراكز أبحاث، وورش عمل تعقد لمختصين في مجالات عدة، ولقاءات عصف ذهني معمقة تأخذ في الحسبان الأوضاع الداخلية، والإقليمية، والعالمية، إضافة إلى التغيرات المعرفية، والتقنية التي يشهدها العالم، مع الأخذ في الحسبان أن الغذاء، والدواء، والسلاح، والتعليم لا بد أن تكون على رأس قائمة الأولويات.
إنشرها