فيروسات «بريكست» في ظل كورونا

|
"الأزمة التي نمر بها في بريطانيا هي الأعنف منذ 300 عام"
ريتشي سوناك؛ وزير المالية البريطاني
لم تكن الحكومة البريطانية سريعة في التعاطي مع تفشي وباء "كورونا" المستجد. ولا تزال تتعرض للهجوم من أحزاب المعارضة، حتى من عدد من نوابها في مجلس العموم. ورغم أنها تمكنت من إدارة شؤون البلاد في ظل غياب بوريس جونسون؛ رئيس الوزراء لمدة ثلاثة أسابيع، إثر إصابته هو شخصيا بفيروس كورونا، لكنها أظهرت اضطرابا في أدائها؛ ليس لغياب رئيسها عن ساحة صنع القرار المباشر، بل بسبب عدم وضوح الرؤية عندها تماما تجاه ما يجري من تطورات بصدد هذا الوباء القاتل. ويبدو هذا مفهوما، لأن الحال ليست أفضل في بقية دول أوروبا الأخرى، لو استثنينا ألمانيا التي أظهرت قدرة لافتة في التعامل مع تداعيات أزمة الوباء، وفرنسا إلى حد ما. فضلا عن الأسئلة التي لا تنتهي حول عدد ضحايا كورونا المرتفع في بلد يفترض أنه يتمتع بقدرة جيدة على الصعيد الطبي.
هذا الجانب من الأزمة، سيكون حاضرا لأعوام على الساحة السياسية البريطانية. فلن يقبل الرأي العام ومعه المعارضة إلا بتفسيرات هي الأخرى لا يبدو أنها ستكون لها نهاية. أما الجانب الاقتصادي فسيبقى مدة أطول، لأسباب عديدة، في مقدمتها بالطبع أن الآثار الاقتصادية لهذا الوباء ستدوم أعواما طويلة، بعد أن قلبت كل المخططات. وتكفي الإشارة هنا، إلى أن التقديرات بانكماش الاقتصاد البريطاني تراوح بين 6 و12 في المائة من جراء الأزمة؛ ما يعزز ركودا بات مؤكدا في البلاد، التي تأمل بالطبع ألا يتطور ليتحول إلى كساد. والحق: إن الحكومة المتهمة بالفشل في التعاطي السريع مع كورونا اتخذت سلسلة من الإجراءات الاقتصادية السريعة لتخفيف الضغوط في ميادين الأعمال بكل قطاعاتها، بما في ذلك، قيامها بتسديد 80 في المائة من رواتب العاملين في البلاد، أو ما يوازي 2500 جنيه استرليني للفرد.
لم يكن أمام حكومة جونسون غير ذلك؛ ليس فقط لحماية الرواتب، بل لتخفيف حدة الهجوم عليها من ناحية التعاطي الصحي مع الوباء أيضا. وهذا الأمر، دفعها في مرحلة لاحقة، إلى إعلان منح قروض بلا فوائد للأعمال الصغيرة بقيمة 50 ألف جنيه استرليني، بضمانات الحكومة نفسها. إلى جانب طبعا تخصيص الملايين من الجنيهات لدعم مؤسسات الرعاية، وتلك المختصة بمساندة الأسر الفقيرة. اتخذت هذه الحكومة سلسلة من الإجراءات التي يمكن اعتبارها شعبية، وفي الوقت المناسب. وهي نفسها المتهمة دائما أن أحد أسباب الاضطراب الصحي في التعامل مع أزمة كورونا كان ولا يزال عدم الإنفاق الكافي على قطاع الرعاية الصحية الحكومي. وفي الواقع، هذا اتهام دائم لكل حكومات المحافظين عبر التاريخ الحديث التي تصورها أحزاب المعارضة دائما، على أنها مستعدة لبيع هذا المؤسسة الضخمة للقطاع الخاص.
في بريطانيا، هناك مجموعة من الأزمات في وقت واحد. الوباء أحدها، إلا أن مسألة خروجها من الاتحاد الأوروبي "بريكست" لا تزال باقية وتتطلب الحسم النهائي، إلى جانب الاتفاق التجاري الحساس المزمع بينها وبين الولايات المتحدة، فضلا عن المشكلات المحلية التي تركها "بريكست" عالقة، ولا سيما مسألتي اسكوتلندا وإيرلندا الشمالية، اللتين تسعيان حتى بعد إقرار اتفاق الخروج نهائيا من الاتحاد، لتعطيل الخطوات الأخيرة له. فعلى لندن أن تحسم أمرها بشأن تمديد الفترة الانتقالية للخروج التي تنتهي بنهاية العام الجاري، وهذا القرار لا بد أن يتخذ في الشهر السادس من العام الجاري. وهذا يعني، أنها لو أرادت الخروج في الوقت المحدد عليها أن تتوصل إلى اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي، في مدة قصيرة للغاية.
هذا يعني أيضا، أن على بريطانيا أن تؤجل أي مشاورات مع الولايات المتحدة بشأن الاتفاق التجاري معها. فلا بد أن تحسم أمرها بشأن الاتفاق مع الأوروبيين أولا، أو تخرج بلا اتفاق تجاري مع شركائها السابقين. وهذا ليس سهلا عليها، حتى إن كانت تتمتع بأغلبية برلمانية مريحة، خصوصا في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية التي يخلفها كورونا في الأرجاء. إنها مرحلة صعبة وحساسة ودقيقة للغاية. فليس سهلا أن تتخذ قرارات مصيرية في زمن أزمة كبرى كتلك التي نشهدها حاليا في العالم أجمع. يضاف إلى ذلك، أن الأطراف الدولية المعنية بمسألة إتمام الخروج هي نفسها منغمسة في الأزمة ذاتها، وهذا قد يعطي مبررا لتمديد الفترة الانتقالية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، علما أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب؛ يتمتع بحماس شديد لاتفاق تجاري مع لندن حتى في ظل هذه الظروف.
أمام بوريس جونسون؛ رئيس الوزراء، مهمات صعبة للغاية في الأسابيع القليلة المقبلة، هو الذي نجا شخصيا للتو من فيروس كورونا. ففيروسات الانفصال عن الاتحاد الأوروبي ستكون حاضرة، حتى إن تم الانفصال النهائي باتفاق تجاري أو دونه، بينما يسعى بكل ما يملك إلى إنقاذ اقتصاد بلاده، كغيره من المسؤولين حول العالم.
إنشرها