تقرير الميزانية للربع الأول والمستقبل القريب

|
يأتي إصدار وزارة المالية تقرير أداء الميزانية العامة للدولة عن الربع الأول من السنة المالية 1441 / 1442هـ (2020) ضمن تحديات يشهدها العالم بصورة غير مسبوقة على مدى عشرات الأعوام. وهذه السنة المالية هي رابع ميزانية تعد وفقا لدليل إحصاءات مالية الحكومة GFSM 2014. ولمن يرغب في معرفة مزيد عن هذا الدليل، فله أن يرجع إلى مقال منشور في هذه الصحيفة يوم الثلاثاء العاشر من كانون الأول (ديسمبر) 2019، وعنوانه "قراءة في ميزانية 2020". من ناحية محاسبية، ما زال إعداد الميزانية حسب الأساس المحاسبي النقدي. أما الإعداد حسب أساس الاستحقاق فلم يطبق بعد.
بلغت إيرادات الربع الأول من هذا العام 192 مليار ريال، وكانت في الربع الأول من العام الماضي 245 مليار ريال، أي بانخفاض 22 في المائة. وبلغ انخفاض الإيرادات النفطية 24 في المائة، وغير النفطية 17 في المائة.
أما جانب المصروفات، فبلغ المجموع في الربع الأول من هذا العام 226 مليار ريال، وكان في الربع الأول من العام الماضي 218 مليار ريال تقريبا، أي بزيادة 4 في المائة. وتركزت الزيادة في الصرف على استخدام السلع والخدمات حيث زادت نحو 15 مليارا ونصفا في الربع الأول من العام الماضي إلى نحو 27 مليارا في الربع الأول من هذا العام. يليها مصروفات أخرى زادت نحو 19 مليارا في الربع الأول من العام الماضي إلى نحو 25 مليارا في الربع الأول من هذا العام.
هناك بنود انخفض الإنفاق عليها، أهمها الإعانات حيث انخفضت نحو عشرة مليارات، إلى نحو ثلاثة مليارات ونصف المليار. يليها في الانخفاض بند المنافع الاجتماعية حيث انخفضت نحو 17 مليارا إلى 13 مليارا.
تفسيرات
بدأ انتشار فيروس كورونا عالميا في رجب/ آذار (مارس) الماضي. وبدأ أغلب الدول في فرض قيود قوية على الحركة وأنشطة الناس بهدف مكافحة انتشار الفيروس؛ فالصحة قبل المال. وتبعا، ضعفت اقتصادات الدول وطاح الطلب على النفط، فطاحت أسعاره خلال الأسابيع الماضية.
بنيت ميزانية العام المالي الحالي على أساس أسعار في حدود 60 - 70 دولارا للبرميل. لكن الأسعار كانت أقل قليلا، في نطاق الـ60، والـ50 دولارا للبرميل خلال أول شهرين من العام الجاري 2020. ثم اتجهت للانحدار البين في الشهر الثالث آذار (مارس)، حتى وصلت إلى الـ20 خلال النصف الثاني من شهر آذار (مارس). وتبعا، حصل انخفاض بين في الإيرادات النفطية للربع الأول. وسيكون انخفاضها أشد في الربع الثاني الحالي.
الانخفاض طال الإيرادات غير النفطية. فقد صدرت الأوامر بتقييد الحركة عبر تعليق الحضور لمقار العمل الحكومية، وإغلاق الأسواق والمجمعات التجارية بدءا من الإثنين 21 رجب الموافق 16 آذار (مارس). أي خلال السدس الأخير من الربع الأول. والهدف سلامة الناس وصحتهم فهي أهم. وطبعا هناك استثناءات في التعليق والإغلاق. وطبعا جر التعليق انخفاضا واضحا في النشاط الاقتصادي. ضعف النشاط الاقتصادي تسبب في انخفاض الإيرادات غير النفطية. من أمثلة هذه الإيرادات ضريبة القيمة المضافة، ورسوم ومستحقات أخرى ضعفت أو توقفت، أو تأجلت أو أعفي عنها تبعا للظروف.
شكلت الإيرادات النفطية نحو 67 في المائة من إيرادات الميزانية للربع الأول من هذا العام. وكانت تشكل نحو 69 في المائة من إيرادات الربع الأول من العام المالي الماضي. لكنها شكلت نحو 64 في المائة من إيرادات العام المالي الماضي كله. ما يعني أنها شكلت أقل من 64 في المائة في الأرباع الثلاثة غير الأول. ولهذا الانخفاض تفسيرات، منها كون بعض الإيرادات غير النفطية المستحقة بداية العام، يتأخر رفعها أو سمحت الدولة بتأخير تسلمها إلى الربع الثاني.
وجه خادم الحرمين الشريفين، بحزمة من المبادرات تخفف الآثار السلبية المالية والاقتصادية المشاهدة. وأغلب هذه المبادرات لا تظهر في الميزانية، لأنها خارج إطار الميزانية في مصادر تمويلها وإدارة إنفاقها. فقد أسند أغلبها إلى مؤسسة النقد والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية وصناديق تنموية حكومية. وبلغ ما أعلن حتى الآن أكثر نحو 200 مليار ريال. تنوعت هذه المبادرات بين دعم للقطاع الصحي، وإعانات ودعم وإعفاء عن مستحقات وإيقاف أو تأجيل سداد مستحقات للدولة وتعجيل سداد مستحقات للأفراد والقطاع الخاص، وتوفير سيولة نقدية للقطاع الخاص. وهي مبادرات من فضل الله على يد قيادتنا. وجاء أكثرها من مدخرات الدولة في أعوام الرخاء. وقللت الحاجة إلى الإعانات والمنافع الاجتماعية المقررة في الميزانية من قبل؛ ما تسبب في انخفاض هذه الإعانات والمنافع الاجتماعية في جانب مصروفات الربع الأول من ميزانية العام الحالي.
خلاف ما سبق، فإن تقرير وزارة المالية يزيد تأكيد استمرار البلاد في مزيد من تحسين الإيرادات، وتقليل الاعتماد على النفط، ورفع كفاءة الإنفاق العام، مع المحافظة على مستوى الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين فهي من أولويات الإنفاق الحكومي. وصدر التقرير تحت التزام بالشفافية، بصفتها عاملا رئيسا في رؤية المملكة 2030 وأهدافها.
من الصعب التنبؤ بنهاية التحديات الحالية التي نشهدها ويشهدها العالم. وسيكون عجز الميزانية أكبر في الربع الثاني الحالي مقارنة بالربع الأول. والمؤمل عدم استمرار تضخم العجز بشكل كبير. من هنا نفهم تصريح وزير المالية، مساء السبت الماضي، بالتوجه نحو تطبيق إجراءات صارمة تحد تنامي العجز.
العالم بعد كورونا ليس كقبل كورونا. الأوضاع تفرض على صانعي القرار تطوير سياسات غير تقليدية تعمل على استمرار التقدم الاقتصادي، بعيدا قدر ما يمكن عن إحداث تضخم كبير في عجز الميزانية، والمديونية العامة، أو سحب كبير من الاحتياطيات، أو إضعاف للاقتصاد. هذا وأسأله - سبحانه - أن يرزقنا من واسع فضله، ويكفينا شر هذا الوباء، ونعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.
إنشرها