الثانويات والأكاديميات .. قفزة نحو المستقبل

|
لا شك أن المرحلة الثانوية هي إحدى حلقات التعليم التي تسهم في بناء شخصية الطالب؛ ليكون قادرا على مواجهة تحديات المستقبل، وعلى التحليل والابتكار، إلى جانب تنمية المهارات والميول والقدرات اللازمة للمرحلة الجامعية وما بعدها. باختصار، إنها تساعد الطالب على بناء غد مشرق.
ولوحظ ضعف أداء الطلاب في الاختبارات الوطنية والدولية، وضعف قدراتهم ومهاراتهم التي تؤهلهم لدخول سوق العمل، ونتيجة لذلك يتجه معظمهم إلى بعض التخصصات الإنسانية التي لا يحتاج إليها سوق العمل؛ ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وخريجي الجامعات. باختصار شديد، فإن نظم التعليم العام على الرغم من الجهود الكبيرة والتحسن الملحوظ خلال الأعوام الماضية، فإنها لم تنجح كثيرا في إعداد الطلاب للجامعات، ولا في مساعدتهم على التوجه للتخصصات التي تتناسب مع قدراتهم وميولهم؛ ما أدى إلى إقرار العام التحضيري الباهظ التكاليف لتأهيل الطلاب للمرحلة الجامعية. كما أنها لم تسلحهم بالمهارات اللازمة لسوق العمل مثل اللغات والحاسب الآلي والتواصل الفعال، أو تساعدهم على اختيار المهن المناسبة، ناهيك عن إعدادهم لمهن المستقبل. واستشعارا لذلك، ابتهجنا باعتماد وزير التعليم مشروع «تطوير مسارات الثانوية العامة والأكاديميات المتخصصة» الذي تشير الوزارة إلى أنه سيبدأ تطبيقه اعتبارا من العام الدراسي 43 / 1444هـ، بما ينسجم مع أهداف رؤية المملكة 2030 في تحسين مخرجات التعليم الأساسية، وتوفير معارف نوعية للمتميزين، وضمان المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وزيادة معدلات التوظيف، كما أن المشروع يلبي احتياجات التنمية الوطنية المستقبلية، ومهارات القرن الحادي والعشرين والثورة الصناعية الرابعة. ويعد هذا المشروع مبادرة نوعية ونقلة نحو المستقبل، ستنعكس آثارها الإيجابية على التنمية في بلادنا، خاصة أن تجارب التطوير التي شهدها التعليم كانت تدور حول نفسها دون تغييرات جذرية ودون مواكبة حقيقية لما يعيشه العالم من قفزات في التقدم العلمي والتقني، ودون إحداث تغيير نوعي يلبي احتياجات التنمية في بلادنا على الرغم من الندوات والمؤتمرات والجهود الكثيرة. فمنذ فترة طويلة، والعالم يشهد تغيرات كبيرة في التعليم العام عموما والثانوي خصوصا، فعلى سبيل المثال، هناك مدارس ثانوية تشتمل على رياض أطفال لتدريب الطالبات، وورش سيارات لتدريب الطلاب، وهناك أكاديميات للعلوم والتقنية، مثل ثانوية توماس جيفرسون للعلوم والتقنية، وأكاديمية إلينوي للرياضيات والعلوم وغيرهما.
ويتكون مشروع مسارات الثانوية من عام أولي مشترك للإعداد العام وتطبيق عمليات الفرز والقياس والتوجيه لمعرفة ميول الطلاب وقدراتهم، ومن ثم توجيههم في المسار المناسب الذي يجعلهم إضافة نوعية للمجتمع بعد تخرجهم. وفي العامين الثاني والثالث يكون هناك مساران (العلوم الطبيعية والتطبيقية، والعلوم الشرعية والانسانية)، ويتشعب كل منهما إلى عدد من المسارات، مثل: مسار علوم الحاسب والهندسة، ومسار العلوم الصحية، ومسار إدارة الأعمال، ومسار شرعي، ومسار إنساني عام. وتجدر الإشارة إلى أن بعض المسارات تؤهل الطلاب والطالبات للعمل من خلال برامج تجسير مهنية.
وإلى جانب ذلك، يشتمل المشروع على إنشاء أكاديميات متخصصة، توفر فرصة للإبداع ورفع مستوى المخرجات التعليمية، بعض هذه الأكاديميات في مجال العلوم الطبيعية والتطبيقية، وأخرى في مجال العلوم الإنسانية، تبدأ من المرحلة المتوسطة، وتشتمل على علوم الحاسب والهندسة والعلوم الصحية، مع إعطاء الطلاب جرعة كبيرة في الرياضيات والعلوم وعلوم الحاسب، كما هو مطبق في بعض الدول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا.
وأخيرا، فإن هذه المبادرة النوعية تختلف عن المبادرات السابقة، فلن تسهم في رفع جودة مخرجات التعليم ومواءمتها متطلبات سوق العمل المتجددة فقط، وإنما ستؤدي إلى الحد من البطالة، وضعف المهارات، وانخفاض الإنتاجية. ولا أعتقد أنه يخفى على الوزارة الحاجة الماسة إلى كادر متميز، وبيئة تعليمية متكاملة مجهزة بالتجهيزات الحديثة، مع مراعاة التطبيق المرحلي في منطقة واحدة، لتلافي جوانب القصور من جهة، وخفض التكاليف من جهة أخرى، مع ضرورة الاستفادة من تقنيات التعليم من بعد، خاصة بعد انتشار استخدامها من قبل كثيرين، وكذلك النظر في التكامل مع الكليات التقنية والمعاهد الصناعية التابعة للمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني.
إنشرها