هل من الممكن التعايش مع جائحة «كوفيد - 19»؟

|
أزمة جائحة "كوفيد - 19"، كانت واحدة من التجارب المؤلمة للمجتمعات في العالم، وتعد الأسوأ مقارنة بأوبئة سابقة مرت على العالم خلال العقود القليلة الماضية، مثل إنفلونزا الطيور وإنفلونزا الخنازير، وأوبئة أخرى انتشرت، لكن ليست بالحدة التي نشاهدها اليوم. فالملاحظ اليوم، أن العالم جميعه تقريبا، أجمع على أن يوقف كثيرا من الأنشطة اليومية المعتادة ويبقى في حالة حجر صحي، ليتمكن من تخفيف انتشار المرض وزيادة قدراته الصحية لمواجهته. وفي هذا المقال، كما في سابقه، لا بد من الإشارة والإشادة بالإجراءات الحكومية التي لم تتوقف، من أجل صحة الإنسان وتوفير جميع احتياجاته بما يحقق الاستقرار في المجتمع وتخفيف أثر الأزمة عليه. ولا شك أن الإجراءات الوقائية الفورية، كان لها دور كبير في الحد من أثر الأزمة، فضعف النشاط الاقتصادي المؤقت الذي مرت به المملكة ويمر به معظم دول العالم، خصوصا دول قمة العشرين لأقوى 20 اقتصادا في العالم، لكن الأثر في المملكة وبعض الدول أقل، بسبب الخطوات الوقائية التي تمت بشكل عال في التنسيق والمبادرة والعمل بكل ما يمكن من الإجراءات الوقائية في وقت مبكر.
ومع هذه الأزمة، شعر العالم بأنه فعلا لم يكن مهيأ لها، وتفاوت البعض فيما يتعلق بالإجراءات التي كان لها أثر سلبي ليس على الدول التي تساهلت فيها، بل على دول العالم أجمع، حيث تأخرت كثيرا إلى أن أصبح الإغلاق العام أمرا لا مناص منه، ما ضاعف من أثر الأزمة عليها. لكن بعد هذه التجربة المريرة، هل يمكن لنا الحديث اليوم عن التعايش مع مثل هذه الأوبئة بحيث تكون هناك إجراءات وخطوات يمكن العمل عليها للحد من انتشارها، وفي الوقت نفسه بقاء الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية قائمة؟
لا شك أن التعويل على أفراد المجتمع في اتخاذ الإجراءات التي يمكن أن تتخذ ليلتزموا بها، وبالتالي يكون الحد من انتشار الأوبئة مغامرة، ليس لضعف الوعي الذي يتحدث البعض في عدم وجوده بينهم، لكن حتى لو كان الوعي بدرجة عالية، فإن عدم التزام القلة القليلة جدا الذي بدا واضحا اليوم كان له الأثر في انتشار الوباء في المجتمع، ولعل وزارة الصحة في المملكة والمؤسسات الصحية في العالم تدرك ذلك من خلال أمثلة ووقائع كان لها دور كبير في انتشار الوباء بشكل واسع، وقد يكون ذلك بسبب شخص واحد أو أعداد قليلة جدا، لكن ما نشاهده اليوم أن العالم أصبح في حال لا يستطيع معه البقاء مغلقا بشكل شبه كامل لمدة أطول، إذ بدأ أثر هذه الأزمة يتحول إلى كوارث اقتصادية، ومن المتوقع أن تعلن شركات إفلاسها بسبب هذه الأزمة. لذلك، فإن التعايش مع الأوبئة أصبح من القضايا المطروحة في العالم، ويطالب به الأفراد. فرغم حجم الجائحة في بعض دول أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، إلا أن بعض أفراد تلك المجتمعات أصبح يطالب بتخفيف أو الغاء الحجر الصحي. وما أن بدأ التخفيف فيما يتعلق بالحجر، إلا ونجد أن الناس بدأوا فعليا لا يبالون بالكوارث التي يمكن أن تنشأ بسبب التساهل في اتخاذ الأسباب الوقائية، علما بأن انخفاض وتيرة الانتشار قد يفسره البعض بأنه بسبب انحسار الوباء وضعف قدرته على الانتشار بالوتيرة السابقة نفسها، لكن ليس هذا بالضرورة السبب، حيث يمكن أن يكون السبب في الإجراءات الوقائية التي تم اتخاذها. لذا، نجد أن منظمة الصحة العالمية حذرت من إمكانية حدوث موجه ثانية قد تكون أشد ضراوة للمرض. لكن يبقى أن هناك خطوات يمكن أن يتم اتخاذها في حالات انتشار الوباء ويمكن أن تخفف من حدة الانتشار، وفي الوقت نفسه يبقى الحد الممكن من الأنشطة الاقتصادية قائما بحيث تكون هناك إجراءات يتم الالتزام بها فيما يتعلق بالتباعد الاجتماعي وأساليب الوقاية، من خلال استخدام الكمامات عند الخروج، وإيجاد البدائل للأنشطة التي لا يؤمن فيها وجود التباعد الاجتماعي، واتخاذ الإجراءات الوقائية مثل المراحل الدراسية للتعليم العام، وبعض الأنشطة الترفيهية وصالات الأفراح وغيرها، إضافة إلى أهمية أن تبدأ المراكز التجارية بإجراءات تتناسب مع إجراءات التباعد الاجتماعي، وتشجيع تقديم جميع الخدمات إلكترونيا، وتشجيع أن يكون للأنشطة التجارية منافذ إلكترونية، إضافة إلى أهمية إعادة دراسة وضع القوى العاملة الأجنبية، التي أصبحت اليوم تحديا فيما يتعلق بالقدرة على التأكد من التزامها بالتعليمات الحكومية في هذا الخصوص.
فالخلاصة، إن التعايش مع الأوبئة، خصوصا ما يتعلق بحالة الانتشار لوباء "كوفيد - 19"، من القضايا التي أصبحت موضع نقاش في العالم اليوم، لذلك من المهم دراسة الأمر بحيث تكون هناك إجراءات يمكن العمل عليها، تهدف إلى بقاء النشاط الاقتصادي قائما قدر الإمكان، مع اتخاذ جميع التدابير الوقائية التي يمكن أن تحد من انتشار الأوبئة في المجتمع.
إنشرها