كورونا .. وظائف تعاني وأخرى تنتعش

|

يقع العمل الذي يؤديه الإنسان موقع القلب من حياته. عندما يكون العمل مستمرا وناجحا تكون نبضات الحياة مستقرة، وإيقاعها موزونا. وعندما يتقطع هذا العمل، مستمرا حينا ومنقطعا حينا آخر، تتوتر النبضات ويختل الإيقاع. وربما يحدث أكثر من ذلك في الأعمال التي يخاصمها النجاح، ما لم تكن هناك فرص أخرى. يقضي الإنسان أعوامه الأولى في التعليم والاستعداد للعمل. ويبحث بعد ذلك عن فرص العمل التي قد تتناسب مع ما استعد له، أو ربما تأخذه إلى مجال آخر يجرب إمكاناته فيه. ولعله يقرر أيضا أن يؤسس وظيفته بنفسه، إذا كان من رواد الأعمال، ووجد الاستثمار اللازم الذي يدعم ريادته هذه.
يمد العمل الإنسان بالمال اللازم لاحتياجاته الأساسية، وربما بدرجات مختلفة من الرفاهية أيضا، تبعا لقيمة هذا العمل على مسرح الحياة. ويمكن العمل الإنسان من إيجاد مكانة لنفسه في المجتمع، وبناء أسرة يستمتع فيها بتربية جيل جديد. ولعل من المفيد هنا ملاحظة أنه حتى بعض الميسورين ماديا، الذين لا يحتاجون إلى دخل الوظائف، يبحثون أيضا عن فرص عمل تمكنهم من إثبات ذاتهم والاستمتاع بالقدرة على الإنجاز والعطاء، سواء كان ذلك عبر عمل يجدونه في المؤسسات أو يقومون ببنائه لأنفسهم.
سبب هجوم فيروسات كورونا الجديدة "Covid-19" زلزالا كبيرا اهتز معه العالم بأسره من أقصاه إلى أقصاه، خصوصا أنه رغم تقدمه العلمي الكبير، أهمل العالم بحوث الأحياء الدقيقة والفيروسات المتجددة لمصلحة البحوث المجدية اقتصاديا، أو الواعدة عسكريا. ونتيجة ذلك، ظهر العالم أعزل من كل وسيلة للدفاع عن نفسه أمام هذا الهجوم. ولأن هذا الهجوم يتسلح بالعدوى اختار العالم عزل الناس عن بعضهم بعضا عبر إبقاء الجميع في منازلهم، لمنع العدوى وحصر الفيروسات المهاجمة. وسبب ذلك معاناة لأصحاب وظائف تختص بأعمال كثيرة من ناحية، لكنه قاد أيضا إلى انتعاش بعض الوظائف المتعلقة بأعمال أخرى من ناحية ثانية.
مخازن البيع المباشر للمستهلك أغلقت أبوابها، لتبقى منها مخازن الغذاء والدواء. المطاعم أيضا أغلقت، ليبقى منها تلك التي تقدم خدمات التوصيل إلى المنازل أو تشترك فيها. مراكز الحياة الاجتماعية والترفيه والرياضة تعرضت أيضا للإغلاق. شمل ذلك المقاهي والمسارح ودور السينما، والصالات والملاعب الرياضية. الحركة والسفر عبر وسائل النقل المختلفة برا وبحرا وجوا، وكل الخدمات المرتبطة بها، بما في ذلك الفنادق، كلها توقفت عن العمل. المصانع التي تقدم منتجات مادية مثل السيارات والطائرات والأجهزة الميكانيكية والكهربائية والإلكترونية توقفت أيضا عن العمل. يضاف إلى ذلك توقف جميع الأعمال التي تتطلب حضورا شخصيا للعاملين في أماكن تجمع محددة للقيام بأعمال مشتركة.
أدى توقف الأعمال سابقة الذكر إلى فقدان العاملين فيها وظائفهم لترتفع بذلك معدلات البطالة في العالم إلى نسب غير مسبوقة؛ وأدى هذا الأمر أيضا إلى الحد من الحاجة إلى الطاقة، وبالتالي نقلها من أماكن توافرها إلى مواقع استهلاكها. يضاف إلى ذلك بروز مشكلة إيجار مخازن البيع وأماكن العمل نتيجة توقف نشاطاتها وعدم قدرتها على السداد، فضلا عن خسائر مختلفة أخرى.
أعمال أخرى لم تتوقف، ومن ذلك أعمال تحولت إلى العمل عن بعد عبر الفضاء السيبراني كي تستمر. التعليم مثلا شهد هذا التحول، إضافة إلى مختلف الأعمال والخدمات الأخرى التي تعتمد على المعلومة كعنصر أساسي في أداء متطلبات العمل؛ وأمثلة ذلك كثيرة من بينها الخدمات الحكومية والمالية، والأعمال الإدارية، ومجالس اتخاذ القرار في كثير من المؤسسات العامة والخاصة. ومثل هذا الأمر تجربة جديدة يمكن الاستفادة منها في المستقبل بعد رحيل الكورونا. فأداء الأعمال في المجالات ذات الطبيعة المعلوماتية عبر الإنترنت يجعلها أكثر كفاءة وفاعلية، ويعزز التركيز على مدى إنتاجية الموظف أكثر من التركيز على مسألة الحضور والغياب في مكاتب المؤسسات.
وهناك بعد ما سبق أعمال انتعشت من خلال زيادة الطلب على ما تقدمه. من ذلك على سبيل المثال الخدمات على الإنترنت التي تتيح العمل عن بعد وعقد اللقاءات والاجتماعات، كخدمات زووم Zoom التي شهدت قفزة غير مسبوقة في الطلب على معطياتها. وأيضا خدمات البيع عبر الإنترنت التي استفادت من إغلاق المخازن في الأسواق المعتادة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن شركة أمازون Amazon عملاق هذه المبيعات أعلنت 100 ألف فرصة عمل جديدة لديها بعد ظهور كورونا، لتثبت بذلك القول المأثور، "مصائب قوم عند قوم فوائد".
إذا وضعنا الأعمال التي تضررت مقابل الأعمال التي استفادت على كفتي ميزان، فلا شك أن الضرر يفوق الفوائد بفارق كبير، بل إنه يهدد عجلة الاقتصاد على مستوى العالم. ويعتمد حجم هذا الضرر بالطبع على مدى الاستمرار في إغلاق المصانع، وعديد من الخدمات، خصوصا تلك التي يتعثر تقديمها عن بعد. لذلك نجد أن الدول تواجه سؤالا حرجا يشهد اختلافا بين طرفين كلعبة شد الحبل، ويتلخص هذا السؤال في أمر توقيت البدء تدريجيا في إعادة الأعمال، وإعادة دوران عجلة الاقتصاد، إلى ما كانت عليه قبل كورونا.
أمام هذا السؤال الحرج، هناك طرف يدعو إلى البدء في العودة المنشودة إلى ما قبل كورونا دون تأخير بمجرد بروز مؤشرات حول انحسار الوباء، وذلك بدافع القلق على الحياة الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية؛ وهناك طرف آخر يرى التريث في إعادة الأعمال إلى أن يتم التأكد تماما من انحسار الوباء، بدافع القلق من الخطر على صحة الناس، والتداعيات غير المحمودة التي يمكن أن تنتج عن ذلك. وقد نرى الدول مختلفة بين تبني هذا الطرف أو ذاك، أو ربما ما بينهما. وخلاصة القول، إن العالم بأسره يعاني، ليبقى الأمل بالله تعالى أن ينحسر هذا الوباء، وتعود الأعمال، وتدور عجلة الاقتصاد، وتزدهر الحياة من جديد.

إنشرها