كورونا يجعل من عالم سويدي حكومة

|
الساعة تؤشر إلى الثانية في الظهيرة. وفجأة تخف حركة السيارات في الشارع. المارة يضعون سماعات هواتفهم في آذانهم. والناس في بيوتهم، أو مكاتبهم يتسمرون أمام شاشات التلفزة أو أجهزتها الرقمية الصغيرة.
والطيف الإعلامي المتشعب الكبير على أهبة الاستعداد، لنقل الحدث أولا كأخبار عاجلة وبعدها كتقارير إخبارية، يمتزج فيها التحليل والنقد والخوف والخشية من المستقبل، وكذلك راحة البال بالنسبة إلى ملايين السويديين.
العالم برمته مقفل، وشوارعه مقفرة، ومن الدول من تودع في السجن كل خارج من بيته؛ ومنها من سن عقوبات إن ظهر شخصان في الشارع، وهما على مسافة تقل عن متر بينهما، أو ظهر أن أكثر من شخصين موجودان في سيارة.
في السويد الناس تسبح في البحيرات وحركتها غير مقيدة. تدخل صيدلية وإذ هي مزدحمة بالناس، والصيادلة يستقبلونك بابتسامة. ليس هناك معقمات لتطهير الأيدي للمراجعين، ولا هناك من يلبس القفازات والأقنعة ولا هم يحزنون. ولم يكترثوا بأن كانت الطبيبات والأطباء والممرضون والممرضات، يستقبلون المراجعين في المستشفيات وكأنهم لم يسمعوا بالجائحة.
وهذا ما جعل عيون زعماء العالم الغربي وشعوبه، تصوب أنظارها نحو الظاهرة السويدية في التعامل مع فيروس كورونا المستجد المسبب لداء "كوفيد – 19"، وكيف ولماذا تنشز هذه الدولة الصغيرة في تعاملها مع هذا الوباء الفتاك؟.
وعيون العالم مشخصة بالذات على أندرش تنكل، اختصاصي الأوبئة الشهير، الذي يقود فريقا من 128 عالما مهمته ترصد ومراقبة الفيروسات والأوبئة على مستوى السويد.
تنكل لقبه state epidemiologist وترجمته عالم الدولة للأوبئة، وهو منصب رفيع تقع على حامله مسؤوليات في أوقات مثل الجائحة التي نمر بها، تفوق تلك التي على عاتق الحكومة.
كان تنكل شهيرا، إلا أن شهرته الآن تجوب الآفاق، لأنه وراء قرارات الحكومة التي أبقت الحياة في السويد تسير تقريبا بصورتها الطبيعية، بينما توقفت في أغلب الدول الغربية الأخرى، من ضمنها أمريكا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا.
قد لا أجافي الحقيقة إن قلت، إن تنكل صار اليوم واحدا من أشهر وأبرز علماء الأوبئة في العالم. لا يتفق الكثيرون معه، إلا أنه معتد برأيه ومتمسك بموقفه حول إبقاء السويد مفتوحة في أغلب حلقات الاقتصاد والخدمات، رغم تفشي الجائحة في العالم.
يكاد المرء ينصعق لرباطة جأش هذا الرجل وثقته بنفسه، ونحن نرى بأم أعيننا كيف تفتك الجائحة بضحاياها في دول عصية وفائقة التطور مثل، أمريكا وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا.
له نقاده ووصل إلى درجة اتهامه بأنه يقود البلد صوب كارثة، إلا أن استطلاعات الرأي في السويد تظهر ازدياد الثقة بالواقفين خلف دفة قيادة الشؤون الصحية واحتواء الجائحة، وفي مقدمتهم يأتي تنكل.
بيد أن تاريخ الرجل، وهو من مواليد 1956 والمناصب التي تبوأها ومكانته العلمية وإنجازاته في محاربة الأوبئة والفيروسات، ليس على مستوى السويد، بل العالم جعل منه حتى الآن أيقونة وقامة علمية في اختصاصه، إلى درجة صار من الصعوبة بمكان الاستغناء عنه.
وتنكل يمزج بعض البراجماتية العلمية في اتخاذ القرارات، حيث تراجع عن بعض مواقفه وساير الرأي المخالف له في فرض بعض القيود، منها إيقاف التدريس في الجامعات والثانويات، بينما أبقى الأمور كما هي في التعليم على المستوى المتوسط والابتدائي والروضات.
ونزل أيضا درجة أو درجتين من سلم عليائه، ومنح موافقته على تخفيض التجمعات من 500 شخص إلى 50 شخصا، إلا أنه يرفض حتى اللحظة غلق المطاعم أو المحال أو المعامل مثلا.
إلى ماذا يستند تنكل، وخلفه الحكومة السويدية في اتخاذ مواقف تخالف المألوف في أغلب دول العالم؟ هنا لا نتحدث عن موقف سياسي أو اقتصادي، أو قرار حول الخدمات العامة أو الضمان الاجتماعي، المسألة تخص مستقبل بلد بحجم السويد.
الاستراتيجية المتبعة تنطلق من البنية والنسيج الاجتماعي للمواطنين في هذا البلد، الذي يثق الناس فيه بالدولة وقادتها، ويثق قادتها بأن الناس يتصرفون بحكمة وروية ومسؤولية.
هناك اعتقاد أن أغلب الناس يلتزمون بالتعليمات، التي تصدرها الهيئات الصحية الرسمية. وعند سؤاله عن الأمر الذي يجعل السويد تتصرف بهذا الشكل أمام تفشي الجائحة؟، عزا رئيس الوزراء ذلك إلى "الفطرة السليمة" التي يتمتع بها شعبه.
إلا أن تنكل كان أكثر وضوحا في إجابته عن أسئلة كهذه، حيث قال، إن استراتيجيته تتكئ على تقليد طويل من احترام "حرية الإرادة والاختيار"، والقدر الكبير من الاحترام الذي يكنه السويديون للسلطات والمؤسسات الحكومية.
وهناك بعد نظر في الاستراتيجية التي يتبعها تنكل في استثمار التركيبة الاجتماعية والثقافية للمجتمع السويدي، الذي يميل صوب تنفيذ التعليمات بصورة طواعية وليست قسرية.
يقول تنكل في أحد لقاءاته الصحافية، إن تطوع السويديين بمحض إرادتهم لتنفيذ التعليمات، سيمنحه الفرصة للاستمرار في الوضع القائم دون إغلاق الدولة ليس لأشهر، بل لأعوام إن تطلب أمر محاربة الجائحة.
وضع كهذا، يضيف تنكل، يمنح السويد الفرصة دون غيرها من الأمم الإبقاء على سير الحياة ولو بحدها الأدنى، وإبقاء الدولة مفتوحة ومن ثم النهوض بالاقتصاد، والعودة به إلى ما كان عليه وبسرعة فور احتواء الجائحة.
ويبدو أن أغلب السويديين يشاركونه الرأي ومعهم حكومتهم. الوضع في السويد أفضل من حيث ضحايا الجائحة، إن أخذنا عدد السكان في في الحسبان في دول مثل إيطاليا، وإسبانيا وبريطانيا، رغم أن هذه الدول قد فرضت إجراءات قسرية توقفت فيها الحياة في المضامير كافة، مع ما يحمله ذلك من تبعات خطيرة على مستقبل اقتصاداتها.
التجربة السويدية جديرة بالدراسة وتنكل واثق بنفسه، وعيون العالم تراقبه. هل سينجح تنكل؟ الأمر نتركه للمستقبل، وغدا لناظره قريب.
إنشرها