تحويل الأزمة إلى نعمة

|

 استطاع فيروس كورونا الذي لا يعرف من أين أتى، هل أتى من الخفاش بشكل طبيعي أم تسلل إلى خارج المختبر بقصد أو من دون قصد؟ نعم، استطاع هذا المخلوق الذي لا تراه العين المجردة أن يربك نبض الاقتصاد العالمي، ويعطل الطيران والسفر والسياحة، ويبعد الناس عن مقار دراستهم وأعمالهم، ويباعد بين الأقارب والأصدقاء، ويلغي المناسبات والاحتفالات، ويحدث تأثيرا كبيرا في أنماط حياة الناس وعاداتهم وتقاليدهم، علاوة على أن انتشار هذه الجائحة سيكون مفصلا مهما في تاريخ الإنسان. وفي ضوء ذلك كله، فإن العاقل من اعتبر واستفاد من الأزمات التي تمر به، وحوّلها من أزمة إلى نعمة ومتعة. فالإنسان الإيجابي هو من يبحث عن الإيجابيات في كل أزمة من الأزمات سواء كانت شخصية أو مجتمعية ويتفهم تحدياتها ويستفيد منها.

من هذا المنطلق، يمكن أن تجلب الأزمات فرصا رائعة للتعلم والنمو؛ بل يمكن أن يرتفع مستوى الإبداع على المستويين الفردي والجمعي، ويمكن تحويل طاقة الأزمة ليس لتحقيق أهداف آنية؛ بل للعمل على بناء أنماط من العادات الجديدة التي تسهم في تحقيق إنجازات كبيرة على المدى الطويل. ومن فوائد كثير من الأزمات أننا ننمو ونتعلم أشياء كثيرة عن أنفسنا من جهة، وعن العالم من حولنا من جهة أخرى. فكما يقال الأزمات لا تكسر الناس وتضعفهم في جميع الأحوال، لكنها تقوي أعوادهم، خاصة من يتعامل معها باستجابات ذكية، وليست ردود أفعال فقط. ولا شك أن التخطيط للأزمة يقلل من مخاطرها ويختصر الوقت اللازم للاستجابة المناسبة لها.
بوجه عام، العالم سيتغير بعد «كورونا». لذلك ينبغي التأقلم مع التغيرات والاستفادة من الفرص التي ستنشأ من رحم هذا التغير، فستنشأ أعمال جديدة، وستختفي أخرى، وخاصة مع الإقبال الشديد على استخدام التقنية في التعليم والأعمال والتواصل الاجتماعي والتسوق ونحوها. كما أن بعض التخصصات العلمية ستلقى رواجا في المستقبل القريب مثل الذكاء الاصطناعي، وإدارة الأزمات crisis management والعمل من بعد وغيرها. وهناك من يؤمن بمقولة "الأزمات تصنع الثروات"، ويشير التاريخ إلى أثرياء بزغت نجومهم في عالم المال والأعمال نتيجة استغلال أزمة أو كارثة معينة.
في نهاية الأمر، لا بد من انتهاز فرصة منع التجول للتقارب الأسري، خاصة أن بعض الأسر السعودية شهدت قبل هذه الأزمة تباعدا كبيرا بين أفرادها، فكان الأبناء يقضون معظم أوقاتهم مع أصدقائهم بعيدا عن الأسرة، وكذا رب الأسرة الذي يقضي جزءا كبيرا من وقته ما بين العمل ولقاء أصدقائه في الاستراحات والمتنزهات بعيدا عن جو الأسرة اليومي. لذلك ينبغي الاستفادة من الأزمة في التقارب وتنظيم أنشطة أسرية جماعية تضفي وقتا جميلا للأسرة، وتعميق العلاقات بين الفرد والآخر، وممارسة بعض أنواع الرياضات؛ كالتمارين ونحوها لصحة البدن من جهة، وتبديد فرط النشاط من جهة أخرى، ومن ثم منع الاحتكاكات فيما بينهم، مع ضرورة تجنب الإفراط في الأكلات الدسمة وغير الصحية.
ومن الضروري أن يتفهم الإنسان نفسه أكثر ويقوم باستثمار الوقت لتنمية هوايات مفيدة؛ كالقراءة والرسم والشعر وتعلم اللغات ونحوها. ويمكن العمل على تنمية المهارات والقدرات من خلال الانضمام إلى الدورات المتنوعة المهنية أو تلك الخاصة بتطوير الذات، وعلاوة على ذلك يمكن الانضمام إلى مقررات توفرها بعض الجامعات مجانا.
ختاما، أقترح أن تقوم جامعاتنا العريقة بتقديم بعض الدورات وورش العمل المجانية في مختلف التخصصات المفيدة لتنمية المهارات في التقنية، والتواصل الفعال، ومهارات القراءة السريعة، وبعض التخصصات العلمية المناسبة، وذلك من خلال استقطاب المتخصصين المتميزين لتقديمها، خاصة أن جامعاتنا تزخر بالكفاءات الرائعة في مختلف التخصصات. وأسال الله السلامة للجميع من كل سوء.           

إنشرها