أخبار اقتصادية- عالمية

رغم وفرة الإمدادات .. الجائحة تثير المخاوف بشأن أمن سلاسل توريد الأغذية العالمية وقوتها

أرفف خالية من الغذاء في أحد المحال التجارية الأيطالية. "إ.ب.أ"

إحدى الصور التي ستبقى في الذاكرة الإنسانية طويلا، بعد انقشاع غبار جائحة كورونا، صور أرفف المحال التجارية في الدول الأوروبية، مثل إيطاليا وإسبانيا والمملكة المتحدة وغيرها، خالية من الطعام، وغير قادرة على تلبية الاحتياجات اليومية للمستهلكين.
كما ستبقى في الذاكرة أيضا صور وفيديوهات المشاحنات والاشتباكات بالأيدي بين المستهلكين في أستراليا، وهم يتصارعون على اختطاف الطعام وأوراق الحمام من بعضهم بعضا.
تلك الصور ربما ترتبط في الأذهان بدول الكتلة الاشتراكية في أعوام الحرب الباردة، حيث كانت الدول الأوروبية والولايات المتحدة تتفاخر دائما بأن أرفف محالها التجارية متخمة بالسلع والمواد الغذائية في وقت يعاني فيه الآخرون الندرة الغذائية.
وربما تكون صور أرفف السوبر ماركت في فنزويلا حيث الأزمة الاقتصادية طاحنة مثالا آخر على نقص إمدادات الغذاء. لكن لم يتخيل أحد أن ذلك ممكن الحدوث في العالم الغربي مهد الثورة الصناعية وأفكار الوفرة الإنتاجية، وأن يحدث هذا الهلع الشرائي في العشرية الثانية من القرن الـ21.
على الرغم من أن كبار المسؤولين عن تجارة التجزئة في أوروبا والولايات المتحدة لا يزالون واثقين بقدرتهم على التأقلم مع التحديات التي يواجهونها، ملقين باللائمة على اندفاع وتدافع الناس للقيام بعمليات شراء غير مسبوقة، لتخزين احتياجاتهم تحسبا لمزيد من تدهور الوضع.
ويعتقد كبار المسؤولين عن تجارة التجزئة في العالم، أن أنماط التسويق ستعود إلى طبيعتها في نهاية المطاف وستستعيد السوق توازنها.
الأمر المؤكد أن جائحة كورونا أيقظت على نطاق واسع المخاوف بشأن أمن وقوة سلاسل توريد الأغذية والطعام على المستوى الكوني، وطرحت تساؤلات حول مدى متانة الأنظمة اللوجستية التي تعتمد عليها المجتمعات الحديثة لتوفير الاحتياجات الغذائية لشعوبها.
هيلين كليك الباحثة في منظمة الأمم المتحدة تشير إلى أن الحصاد على المستوى الكوني هذا العام كان واعدا، ولم تكن هناك أي مشكلات تذكر في توفير الكميات التي تتطلبها الأسواق، كما أن الأسعار المتوقعة منضبطة، إلا أن الوضع تغير مع تفشي وباء كورونا، حيث أدى الوباء إلى نقص في عدد العمال الزراعيين الذين يقومون بعمليات الجني والتعبئة، كما تحرك عديد من دول العالم نحو الحمائية الاقتصادية سواء برفع رسوم التصدير أو حتى حظر تصدير السلع الغذائية، وإذا استمر هذا فمن الممكن أن يؤدي إلى مشكلات تتعلق بمدى توافر الطعام خلال الأسابيع المقبلة.
وتقول لـ"الاقتصادية"، "هذا أسوأ وقت لفرض قيود على حركة التجارة وتقييد تدفق الغذاء أو وضع حواجز تجارية"، مشيرة إلى أن دولا مثل كازاخستان حظرت تصدير دقيق القمح، ودولا أخرى فرضت قيودا على تصدير الخضراوات، وفيتنام ثالث أكبر مصدر للأرز في العالم علقت عقود التصدير المؤقتة، وموقف الولايات المتحدة محل شك في ظل انحياز الرئيس ترمب لفكرة الحرب التجارية.
لا تزال الإمدادات الغذائية تعمل بشكل جيد في معظم دول العالم في الوقت الحاضر، لكن بعض التقديرات تشير إلا أن المشكلات قد تبدأ في الظهور في غضون أسابيع وتتفاقم على مدى الشهرين التاليين مع الدخول في المواسم الرئيسة لجني الفاكهة والخضراوات، فهذا النوع من المنتجات غالبا ما تكون أوقات نضجه قصيرة وقابلا للتلف السريع، إذا لم يتوافر عمال لجمع المحصول، ونتيجة عمليات الإغلاق في معظم دول العالم سيكون من الصعب توظيف عمال الزراعة الموسميين، ما لم تتخذ تدابير لضمان استمرارهم في التنقل وسط احتياطات مكثفة لتفادي تجنب انتشار المرض.
في المملكة المتحدة تبدو الصورة مقلقة للبعض؛ موريس أندرسون عضو اتحاد تجار التجزئة في بريطانيا يعلق لـ"الاقتصادية" قائلا، "الإسترليني في تراجع والمملكة المتحدة تعد من الدول التي تعتمد على الواردات لتغطية احتياجاتها الغذائية، ومن المرجح أن تشهد أسعار المواد الغذائية ارتفاعا في الأسابيع المقبلة ما لم تتخذ الحكومة إجراءات أو يستوعب تجار التجزئة بعض التكاليف".
ويضيف، "أهم دور يمكن أن تلعبه الحكومات هو الحفاظ على عمل سلسلة الإمدادات الغذائية، والتدخل لضمان وجود عدد كاف من العمال، ومنع أسواق الغذاء العالمية من الذعر".
وفي الواقع فإن 50 في المائة من الطعام الذي يتم تناوله في المملكة المتحدة يأتي من الخارج، و30 في المائة منه يأتي من الاتحاد الأوروبي، لكن الأكثر خطورة أن انضباط سلاسل التوريد والإمداد في المملكة المتحدة وعديد من الاقتصادات المتقدمة خلال العقود الماضية، قلص إلى حد كبير فكرة تخزين المكونات اللازمة للحفاظ على تشغيل مصانع الغذاء في العالم، التي باتت تعتمد على وصول احتياجاتها في الوقت المناسب من الموردين المنتشرين حول العالم، ولذلك فإن أغلب الصناعات الغذائية لم تعد لديها مخازن للمكونات التي تحتاج إليها في عمليتها الإنتاجية يمكن أن تغطيها لفترة طويلة.
من جهتها، تؤكد لـ"الاقتصادية"، الدكتورة سارة تون أستاذة السياسات الغذائية في جامعة بروملي، أن أحد التحديات التي قد تواجهها الأسواق الغذائية نتيجة تفشي فيروس كورونا، لا يتعلق بتوافر الغذاء ذاته، إنما بافتقاد القدرة على إتمام عمليات التوصيل نتيجة توقف الشاحنات لغياب السائقين، أو لتلف سيارات الشحن نتيجة الإفراط في الاستخدام في الوقت الراهن.
لكن تلك المخاوف لا تزال من وجهة نظر اتحادات نقل البضائع مؤجلة لبعض الوقت، إذ إن الهبوط الهائل في أعداد السيارات على الطرق يساعد كثيرا على تحرير اللوجستيات حيث تقطع الشاحنات الآن مسافات أطول في وقت أقل، وهو ما يزيد قدرتها على إجراء مزيد من عمليات التسليم كل يوم للمحال التجارية.
لا يبدي الدكتور تشارلز دنكن أستاذ التجارة الدولية في جامعة شيفيلد مخاوف من حدوث أزمة غذاء عالمية، ويستبعد تماما حدوث أي أزمة في المعروض العالمي من الغذاء نتيجة فيروس كورونا.
ويقول لـ"الاقتصادية"، "إن الاحتياطيات العالمية من الغذاء قادرة على البقاء لبعض الوقت، إذ قدرت الأمم المتحدة احتياطي الغذاء الكوني عام 2012 بنحو 74 يوما، وفي حال تم تنظيم عمليات الشراء فإن ذلك قادر على تلبية احتياجات البشرية لفترة أطول، وإذا أخذ في الحسبان أن الصين قد أفلحت في السيطرة على الوباء بشكل ملموس، وأنها بدأت في العودة إلى الإنتاج، كما أن هناك اقتصادات تعد رئيسة في مجال الإنتاج الغذائي مثل البرازيل وأستراليا وعديد من الدول الإفريقية لم تتأثر بشكل قوي بالفيروس، وعليه من المستبعد أن تتأثر الإمدادات العالمية من الطعام".
لكن الدكتور تشارلز يؤكد أن أسعار الغذاء من المنطقي أن تشهد ارتفاعا ملحوظا في الفترة المقبلة نتيجة الزيادة غير الطبيعية في الطلب أكثر من نقص المعروض.
إلا أن وجهة النظر الإيجابية تلك لا تلقى قبولا من قبل الباحث الاقتصادي توم كريستيان الذي يقول لـ"الاقتصادية"، "إن هناك أخطارا حقيقية من نفاد الطعام عالميا، والمحال التجارية لم تعان حتى الآن، لكن هناك مؤشرات على أن الضغوط التي تسببها عمليات الإغلاق بدأت تؤثر في سلاسل التوريد".
ويشير إلى أن هناك مشكلات أخرى من قبيل وجود نحو 300 مليون طفل في العالم وفقا لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة يعتمدون على الوجبات المدرسية، ومع إغلاق المدارس فقد هؤلاء الأطفال وجبة غذائية شديدة الأهمية.
ويؤكد أنه إذا أخذ في الحسبان أن فئات عمالية كثيرة لا تعمل حاليا فإن نقص إمدادات الغذاء يمكن أن يترافق مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، ويؤثر في قدرة الأطفال على تناول الطعام، وتتطلب مواجهة تلك المشكلات مزيدا من التخفيضات الضريبية، وتقديم إعانات مالية للأسر الفقيرة لتكون قادرة على شراء الطعام.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية