التحديات الحالية .. دروس وعبر

|

ولد ظهور فيروس كورونا "سم أو حمة التاج" تحديات قوية للإنسانية في جميع المجالات. وأثار انتشاره الذعر والهلع حول الكرة الأرضية وتسبب في إحداث صدمات نفسية واقتصادية في دول وأسواق العالم. ويتطلب التصدي للتحديات الحديثة إجراءات وسياسات مناسبة، وموارد إضافية، وسيستغرق زمنا يصعب التكهن بطوله. يأمل العالم أن يتم احتواء المرض في أقصر وقت ممكن، وتسخر دول العالم إمكاناتها للتخفيف من آثاره وإعادة عجلة الحياة إلى مسارها المعتاد. وعلى الرغم من الأضرار التي يتكبدها العالم نتيجة للمرض إلا أن الإنسانية ستكتسب تجارب ودروسا وعبرا في سبل إنقاذ الأرواح البشرية، وحماية الأمن الصحي، ودعم مسيرة التنمية المستدامة. وعموما من الصعب حصر الآثار والعبر والدروس كافة من تجارب العالم الأخيرة في التصدي لهذا الوباء، ولكن سيتم التطرق لبعضها.
رفع انتشار المرض من أولويات الأمن الصحي للدول والعالم، وأثبت أنه لا يقل أهمية عن الأمن الدفاعي. وتتسبب الأوبئة في صدمات مشابهة للحروب وقد تفوقها، حيث تعزل بعض المناطق أو الدول، وتفقد الأرواح، وتتقلص الأنشطة الاقتصادية، وتستنزف الموارد البشرية والمادية. من جهة أخرى أبرز الانتشار السريع للمرض ــ رغم الاحتياطات المتخذة ــ مدى الترابط القوي بين أمن الدول الصحي وضرورة تعاون جميع دول المعمورة للدفاع عن الأمن الصحي العالمي، بغض النظر عن الخلافات السياسية والعقائدية. وسيقود ترابط الأمن الصحي العالمي إلى زيادة تركيز مساعدات المؤسسات الدولية والإقليمية الإنمائية والخارجية للدول على تطوير القطاعات الصحية في الدول الأشد فقرا والأكثر احتياجا.
رفع الانتشار السريع للمرض من أهمية الاتفاقيات الدولية التي توجب على دول العالم الرصد والإبلاغ السريع عن الأوبئة والحالات المتأثرة بها للحد من انتشارها، فتفريط أو تقصير بلد ما في رعايته الصحية ورصد الحالات أو الإبلاغ يلحق الضرر بأرجاء العالم. وتفيد مصادر منظمة الصحة العالمية بتقصير بعض دول العالم في الإبلاغ عن فيروس كورونا إما لغياب المنظومة الصحية الكفؤة أو لتعمد بعض الدول عدم الإبلاغ خوفا من الآثار السياسية والاقتصادية السلبية. كما أثبتت الأزمة أهمية التحرك السريع والحازم من قبل الحكومات في التصدي للأوبئة، فقد يتسبب أي تأخير في تعميق أزمات انتشار الأوبئة، ويرفع تكاليف التصدي لها، ويزيد الضغوط على القطاعات الصحية التي يعاني معظمها ضغوطا حتى في الظروف الاعتيادية.
أدت الأحداث الأخيرة إلى انكشاف المنظومات والسياسات الصحية لدول العالم على المخاطر الصحية المفاجئة والأمراض المعدية. وستعاني الدول الأقل إنفاقا، وتطورا، وتنظيما، واستعدادا، واهتماما بالرعاية الصحية، وتوفيرا للتغطيات الصحية الشاملة للسكان أكثر من غيرها. وسيسعى عديد من دول العالم إلى ضخ مزيد من الإنفاق الحكومي على القطاعات الصحية الأساسية، وسترتفع المطالب بتوفير رعاية صحية شاملة للسكان؛ ما سيقود إلى نمو القطاعات الصحية عبر العالم. ورفع انتشار المرض أهمية الصحة الوقائية، وأبرز فشل الأسواق في توفيرها، وزاد ضرورة التدخل الحكومي الاستباقي، وتخصيص موارد كافية للحفاظ على حياة البشر من الأوبئة. وتشير تجارب بعض الأقاليم الصينية في التصدي للمرض إلى تحقيق نجاح في منع انتشاره، وذلك بسبب الإجراءات الاستباقية ــ التي يبدو بعضها قاسيا ــ والتكاتف الكبير بين السكان والسلطات في التصدي للمرض.
برزت خلال الأحداث مخاطر تركيز شركات سلاسل الإنتاج أنشطتها في أقاليم أو دول معينة. ونتيجة لذلك تراجعت أنشطة هذه الشركات الإنتاجية؛ ما سيدفع بعضها إلى البحث في فرص إعادة توطين مراحل إنتاجها في مواقع جغرافية أكثر لخفض مخاطر توقف الإنتاج. وستترتب على هذا زيادة تدفق الاستثمارات الأجنبية لبعض الدول ويقلل تركز استثمارات معينة في دول كبيرة كالصين. من جهة أخرى، ستولي الشركات، وخصوصا الكبرى منها، مزيدا من الاهتمام للمخاطر الناجمة عن الأوبئة؛ ما سيولد فرصا إضافية في أسواق التأمين.
تسبب المرض في بعض التغيرات الاقتصادية الهيكلية الحادة، خصوصا في مجالات السفر والسياحة، كما عانت معظم الخدمات انخفاضا كبيرا في الطلب عليها. ويأمل كثير من الناس أن تكون مؤقتة، ومن المتوقع أن تخف حدتها لكنها لن تختفي تماما، حيث ستحدث بعض التغيرات، كما حصل بعد الأزمة المالية العالمية. وستتخذ الدول مزيدا من الاحتياطات وتفرض مزيدا من الأنظمة والمتطلبات الصحية على قطاعات الخدمات للحد من انتشار الأوبئة. إضافة إلى ذلك ستخفض الأزمة جاذبية التجمعات السكانية الكبيرة والمباني الضخمة وفعاليات التجمع والجماهير؛ ما سيحد من نمو القطاعات المرتبطة.
رفعت الأحداث الأخيرة درجات الاعتماد على البنية الأساسية للإنترنت والتواصل عن بُعد، وارتفع استخدامها بشكل كبير في مجالات التعليم والأعمال الخاصة والعامة، وهو ما ولّد ضغوطا عليها في كثير من الدول. وتقود تجارب الاستخدام المتزايد للتواصل عن بُعد إلى تغيرات طويلة الأجل في مجالات التعليم والأعمال وجميع أنواع الأنشطة، وهي التي ستكون لها آثار ملموسة في الأنشطة التعليمية والاقتصادية والحكومية. من جهة أخرى، ستحدث تغيرات وقفزة تقنية قادمة وزيادة في الإنفاق على البحث والتطوير لخفض مخاطر انكشاف البشر والأعمال على الأمراض والأوبئة. كما ستتأثر بعض العادات الاجتماعية، خصوصا المتعلقة بالتواصل بين الناس.

إنشرها