أسئلة مهمة في الوقت الخاطئ

|

 في مثل هذا الوقت من كل عام تجتمع لجان المراجعة ومجالس الإدارات -خصوصا في شركات المساهمة المدرجة- لتراجع أعمال العام الفائت وتحدد ما إذا كانت المنشأة تمضي بشكل جيد وفق خريطتها الاستراتيجية وتثبت سير الأعمال للعام الجديد. يقوم هؤلاء الأعضاء في مثل هذا الوقت بمراجعة الأداء ماليا وتشغيليا، وهذا يعني النظر في التقارير المالية وغير المالية وتفنيد الحوادث والمخاطر، التي مرت بها المنشأة خلال الفترات الأخيرة واستشراف المقبل من وقائع وفق تقلبات السوق والعمل وظروفه، وحقيقة هي قائمة طويلة وعميقة من الأعمال التي لا يمكن السيطرة عليها إلا بضبط الأولويات وتفعيل أدوات الرقابة والإشراف بشكل متقن، وإلا سيكون أداء المجلس عبارة عن أحاديث وأوراق ترافقها العشوائية ولا تحقق النتيجة المرجوة.

في عمق هذه التداولات المهمة، يأتي كثير من المشوشات التي تشغل المجلس وتجعله في إعادة مستمرة لترتيب الأولويات، مثل تردي الإنتاج في أحد الخطوط التصنيعية، أو وضع اقتصادي مفاجئ أثر في القوة الشرائية، أو ضعف شديد في أحد الإجراءات التشغيلية في المنشأة. مثل هذه الأمور -كوباء "كورونا" الذي نعيش إرهاصاته اليوم- يمكن بسهولة أن تصبح مصدرا للتشويش ومدخلا للضبابية، التي تشغل الفريق الاستراتيجي للمنشأة وقد يضل طريقه ويفقد قدرته على الربط بين تطلعات المساهمين وأداء الفريق التنفيذي.
ومما يزيد الطين "بلة" أن يمضي وقت هذه الاجتماعات المهمة في الإجابة عن أسئلة أساسية جدا، نعم قد تكون أسئلة مهمة، لكنها متأخرة جدا في عمر الدورة الرقابية للأداء. استعراض نتائج الأداء يعني أن يفهم السياق والأثر، وتناقش المسببات، وتحدد الخطوات التي يمكن متابعتها ورصد نتائجها حتى الاجتماع المقبل. لكن ما يرهق المجلس والإدارة ويجعل الدور الرقابي والإشرافي ضعيفا في جوهره وشكله كذلك، أن تثار أسئلة عامة، كتلك التي تستفسر عن طبيعة الأعمال أو طريقة المعالجة لمسألة تعد عادية وروتينية في سياق أعمال المجلس. من أمثلة ذلك: الاستفسار عن منتج في منتصف العمر، أو أثر احتساب الضريبة، أو آلية تقسيم مؤشرات الأداء، أو معالجات تقييم المعدات، وكثيرا ما تتكرر هذه الأسئلة نفسها من اجتماع لآخر.
السؤال الذي يمكن طرحه هنا: لماذا تطرح مثل هذه الأسئلة المهمة في هذا الوقت الحساس؟ على الأرجح هناك عدة مسببات مختلفة باختلاف السؤال وظروفه، لكن يمكن جمع الإجابات في ثلاث نقاط: الأولى: العضو لم يقم بالاستعداد الكافي والمبكر لهذا الاجتماع تحديدا أو لدوره في المجلس. وهذا يعني أنه لا يسيطر على المفاصل الفنية، أو المالية والتشغيلية التي ترتبط بأعمال المنشأة ويضطر من حين لآخر أن يؤكد مسلمة محددة مرتبطة بالعمل أو معالجة تم تحديثها أخيرا. الثانية: بعض التفاصيل التي تبنى عليها الاستراتيجية تذكر مرة واحدة كل عام أو بضعة أعوام، لكنها تغيب لفترة طويلة من الزمن بسبب ضعف تقارير الأداء الدورية؛ إما ضعفا في دورية هذه التقارير، فنجدها نصف سنوية أو سنوية، بينما يمكن أن تكون مختصرة وذكية ورتما أسرع من ذلك -شهرية مثلا؛ أو ضعفا في نوع التقارير وتغطيتها، إذ يكتفي بعض المجالس بالتقارير النظامية مثلا القوائم المالية دون أي تقارير منتظمة تستهدف محاور الأداء ومعاييره. مجلس الإدارة ولجانه من أهم مستخدمي القوائم المالية، لكن هذه القوائم لا تمثل إلا جزءا يسيرا من التقارير التي يجب أن يستعرضها المجلس، تحديد قائمة هذه التقارير، ومستوى تغطيتها، ودوريتها، أمر مهم جدا يتطلب الترتيب المبكر والانضباط العالي. النقطة الثالثة: لا ترتبط بالاستعداد الكافي ولا بطريقة سير المعلومات التي تمر على العضو أثناء عمله، وإنما بكفاءة العضو نفسه، وقدرته على استيعاب ما يكفي من التفاصيل للتأثير في الكليات وفق ما يتطلبه دوره وتوقعات المساهمين والمنظمين منه.
لا يمكن لأي أحد أن يصادر حق عضو مجلس الإدارة أو لجانه في طرح الأسئلة، لكن الساعات القليلة التي يتفاعل فيها المجلس مع الإدارة خلال العام هي ساعات ثمينة جدا، وتنتج عنها أفعال مهمة جدا. لذا، ينبغي أن يكون السؤال وما يتبعه من نقاش بقيمة الوقت نفسه التي يتم إهدارها. وسواء كان السبب الفعلي قراءة متأخرة أو متابعة ضعيفة أو تدنيا في الإمكانات الفردية أو ضعفا في الضوابط، فإن عضو المجلس أكفأ من يكتشف مثل هذه المؤثرات، التي تهدر وقته وقيمته وتضعف من دوره المهم. التزامه بأداء هذا الدور يوجب عليه أن يبذل الاهتمام الكافي ليتأكد أنه يقوم به كما يجب، فلن يوبخه أحد على سؤال بلا قيمة. لكن إذا استمرت البوصلة في الانحراف ستضل المنشأة وأعمالها الطريق، وقد تحاسبه حينها -ولن توبخه فقط- الجمعية العمومية أو المساهمون في دعوة جماعية أو طرف ثالث متضرر، وسيكون حينها الوقت متأخرا جدا لطرح الأسئلة.
لا يمكن لأي أحد أن يصادر حق عضو مجلس الإدارة أو لجانه في طرح الأسئلة، لكن الساعات القليلة التي يتفاعل فيها المجلس مع الإدارة خلال العام هي ساعات ثمينة جدا، وتنتج عنها أفعال مهمة جدا.

إنشرها