وسائل التواصل الاجتماعي والثقافة الشعبوية

|

هل تسهم وسائل التواصل الاجتماعي في نشر ثقافة شعبوية، غير لائقة من خلال التعليقات، والردود التي تتم بين المغردين، سواء كانوا يتناقشون في موضوع واحد، أو أحدهما طرح موضوعا يجد في طرحه قيمة، وفائدة في نقاشه، لكن الموضوع، ومحتواه، وطريقة عرضه لا تجد قبولا من شخص آخر؛ ليتصدى له، ويصفه بأوصاف غير لائقة، ويجرحه، بل يعتدي على كرامته، وعرضه، دونما سبب واضح، وجلي لمثل هذا التصرف؟.


من متابعتي لما يكتب حاولت أن أتعرف على هويات من يستخدمون فاحش القول، وساقط اللفظ، ويتجرؤون على السب، والشتم، البعض يكتب باسمه الصريح، وطبيعة عمله، وخلفيته الثقافية، ومستوى تعليمه، والبعض يخفي هذه الأشياء لإدراكه أن تغريداته مخجلة وغير لائقة، إلا أنه يصر على هذا السلوك بحثا عن مزيد من المتابعين، أو إشباعا لاحتياجات نفسية، كحب الظهور، والانتشار الواسع، وهو بهذا الفعل يطبق المثل القائل، (خالف تعرف)، وربما السبب يعود لاختلال نفسي يتمثل فيما يعرف في علم النفس بالسادية، من خلال إيلام الآخرين، وإحراجهم، والنيل منهم، رغم أنه لا يعرفهم من قبل، وليس بينه، وبينهم أي علاقة.


حاولت تصنيف هؤلاء، حسب ما يبدو، كما قلت من بياناتهم الواضحة، أو من خلال طبيعة المحتوى الذي يغلب على تغريداتهم، فألفيت أن مجموعة منهم يمكن تصنيفهم بالانتماء للوسط الرياضي؛ ولحماسهم الناجم عن قوة الانتماء لناد، أو التأثر بنتيجة مباريات؛ فتجده يوزع الاتهامات، والسباب في الاتجاهات كافة، للحكام، وللنادي المنافس، ولمسؤولي الرياضة، ولجنة الحكام، والجمهور، ولا يسلم منه أحد، وهو بهذا الفعل يفرغ شحنات انفعالية على الآخرين؛ لإرضاء ذاته؛ نتيجة ما يشعر به من ألم، وخيبة نتيجة هزيمة ناديه.


وفئة ثانية، وهم من يصنفون، أو بالأحرى يصنفون أنفسهم بالمفكرين، أو المثقفين، وكأن هذا التصنيف، حتى، وإن كان وهميا يعطيهم الحق للنيل من هذا، وإيذاء ذاك، إذ كلمة مفكر، ومثقف لها صدى، ورنين في نفس من ينتمي لهذه الفئة يمده بطاقة عدوانية، لا مثيل لها، ومن يقدم على هذا السلوك لا يدرك أنه يهدم ما بناه من سمعة طوال هذه الأعوام، من شهادة عليا، أو كتابات جيدة في السابق، أو ظهور إعلامي متميز، حتى ينتهي بإحراق هذا المنجز الجيد؛ إما لأنه استمرأ هذا الفعل المشين، أو خضع لعاطفته في لحظة غضب، واختلاط مشاعر، وهؤلاء عليهم لوم كبير، فثقافته يفترض أن يكون فيها حصافة، وحسن إدراك، ومن ثم حصانة تقيه العثرات التي وقع فيها، إلا أن وعيه لم يسعفه ليتذكر المثل القائل، "لسانك حصانك... إن خنته خانك"، وفي هذه الحالة اليد تحل محل اللسان.


فئة ثالثة لا يمكن تصنيفهم في فئة محددة؛ نظرا لعمومية ما يتناولونه من مواضيع، إذ يكتبون عن الرياضة، والسياسة، والاقتصاد، والصحة، لذا تجد التخبط، والاضطراب هما الصفتان الشائعتان فيهم؛ لقلة المعرفة، والإدراك، ونقص الوعي وهؤلاء قد لا يكون عليهم ملامة كالفئة الثانية التي كما قلت يزعمون الثقافة، أو يصنفون كذلك، وأكثر ما يقال في حق هذه الفئة إنهم يعبرون عن واقعهم الحقيقي.


ما من شك أن المفردات المستخدمة من فرد، أو مجموعة تكشف عن البناء الخلقي الذي نشأ عليه، أو اكتسبه خلال الاختلاط بالآخرين، وهي في حد ذاتها ثقافة؛ مهما كانت طبيعتها، فمن تكون مفرداته: أبشر، شكرا، لو سمحت، فهذه أمثلة تكشف عن ثقافة راقية لصاحبها، وحس يكشف عن بناء خلقي يجلله احترام الآخرين.


في المقابل يتكرر في كتابات البعض كلمات مثل "أنطم، معصي، ما عندك سالفة، اخسأ"، وغيرها من قاموس المفردات السيئة، وهي بدورها تكشف عن ثقافة مستخدمها، ومنشئها، والحالة النفسية لصاحبها.


وسائل التواصل الاجتماعي كشفت المستور لدى البعض، فمن يظن فيه التؤدة، والسمت، وحسن المعشر، والرزانة، والأخلاق الراقية تبين افتقادهم لهذه الصفات، وكأني بهؤلاء مثل الرجل الذي دخل على أبي حنيفة في المسجد وهو يلقي درسه على الطلاب، وكان باسطا رجله لألم فيها، فسحبها توقيرا له، إلا أنه بعد جلوسه مع الطلاب، تكلم، وسأل سؤالا لا يليق بمظهره، وليس له صلة بالموضوع قال أبو حنيفة عبارته المشهورة "لقد آن لأبي حنيفة أن يمد رجله الآن".

إنشرها