ترابط الأمن الصحي العالمي

|

حاولت الصين السيطرة على انتشار مرض كورونا الأخير، ونجحت في تعطيل انتشاره لمدة شهر من الزمان. وأعطى هذا التعطيل العالم وقتا ثمينا للتجاوب مع تداعيات هذا الوباء. واستغلت بعض دول العالم هذه الفترة للاستعداد مبكرا، وتلكأت دول أخرى بينما لا تملك دول متعددة، القدرات ولا الإمكانات للتصدي للمرض. ويخفض تلكؤ بعض الدول أو عجزها عن توفير أدنى مستويات الرعاية الصحية العامة عند انتشار الأوبئة مستويات الأمن الصحي العالمي؛ ما يهدد سكان الدول الأخرى بالتعرض لمخاطر انتشار العدوى. ورغم المحاولات الجادة للسيطرة على انتشار المرض، فقد بدأ الانتشار بشكل سريع أخيرا؛ ما أثار فزع دول العالم حول أمنها الصحي. وهنا ينبغي التشديد على أن كورونا "التاج" ليس الوباء الوحيد الذي يهدد الأمن الصحي العالمي، فهناك عديد من الأوبئة التي تمثل تهديدا للصحة العالمية كالإيبولا والحمّى الصفراء والزيكا حتى الدرن.

تعرّف منظمة الصحة العالمية الأمن الصحي العالمي بأنه الأنشطة التي تخفض إلى أدنى حد مخاطر وتأثيرات الأحداث الصحية المهددة لسلامة سكان المناطق الجغرافية أو العابرة للحدود. وتؤكد المنظمة أن صحة البشر شرط أساسي لتحقيق الأمن والسلام، وأنه يعتمد على التعاون الكامل بين دول وسكان العالم كافة. ولا يقتصر تأثير الأوبئة والطوارئ الصحية وضعف المنظومات الصحية في إزهاق الأرواح البشرية فقط؛ بل يمثل تهديدا للأمن والاقتصاد العالميين. إن تحسن درجات الحصول على الرعاية الصحية والتغطية الشاملة للمجتمع وجودة الخدمات الصحية أفضل وسائل الدفاع ضد التهديدات الصحية الطارئة الناشئة بشكل طبيعي أو المتسبب فيها البشر.
رفعت مخاطر انتشار الأوبئة الآخذة في الارتفاع من أهمية الاستعداد مبكرا وتوجيه الاستثمارات للقطاعات الصحية والإنفاق على البنية الأساسية اللازمة على الأمد الطويل، وذلك من أجل توفير الحد الأدنى من الأمن الصحي داخل الدول والحد من انتشار الأمراض عبر الحدود بقدر الإمكان. ونظرا لفشل الأسواق في توفير الأمن الصحي الشامل للمجتمعات وعجز القطاع الخاص عن تحمل تكاليف الأمن الصحي العام للدول، فإن السلطات الرسمية في دول العالم منوطة بها مسؤوليات توفير الأمن الصحي لسكانها مع التركيز بشكل خاص على الشرائح السكانية الفقيرة والأكثر عرضة للمخاطر. إن الإنفاق على البنية الأساسية الصحية وتوفير مستويات أفضل من الأمن الصحي المحلي والوطني له آثار إيجابية في الأمن الصحي العالمي حيث يحد من مخاطر انتشار الأوبئة على الحياة البشرية ويقلل الخسائر الصحية والاقتصادية المصاحبة لها في المحيط الإقليمي للدولة أو عبر دول العالم. وأدى تقارب العالم الاقتصادي والاجتماعي وسهولة السفر والتنقل، إلى زيادة الترابط بين دول العالم في المجالات كافة؛ ما وثّق من ترابط الأمن الصحي لدول العالم مع بعضها بعضا.
لضمان الأمن الصحي العالمي تتحمل دول العالم مسؤوليات العمل بشكل جماعي للتصدي للمخاطر الصحية وتوفير الموارد الضرورية والقدرات التقنية التي تحتاج إلى تطبيق المعايير العالمية المطلوبة. وسنت منظمة الصحة العالمية الأنظمة الحاكمة لانتشار الأوبئة عبر الحدود، وهي المسؤولة عن إدارتها ومراقبة التقيد بها. وتوفر الأنظمة العالمية التي تديرها المنظمة الأدوات القانونية الحاكمة لمعايير وقف انتشار الأوبئة. وعلى الرغم من أن هذه الأنظمة هي الوحيدة المتوافق عليها دوليا إلا أن أقل من ثلث دول العالم يوفر الحد الأدنى من متطلبات القدرات الأساسية لتطبيق هذه الأنظمة. وتتضمن المتطلبات العالمية ضرورة الإبلاغ عن الحالات غير المعتادة بسرعة وشفافية عالية، كما تطلب من الدول الأخرى تجنب معاقبة الدول المتأثرة بالأمراض المعدية بشكل غير عادل سواء في مجالات السفر أو التجارة. وإضافة إلى ذلك تطلب الاشتراطات الدولية من الدول المتأثرة بالأمراض الخطيرة تسهيل مهام مختصي الرعاية الطارئة وفتح المجال أمامهم للبحث وتمكينهم من الوصول إلى البيانات والسجلات الصحية. وتسعى المؤسسات الدولية لمساعدة الدول التي تنقصها الإمكانات على الوفاء بالتزاماتها العالمية المتعلقة بالإبلاغ المبكر عن الأمراض المعدية وتقوية منظومات الكشف والمعالجة، وكذلك تنسيق المساعدات الدولية الطارئة لهذه الدول عند انتشار الأوبئة أو حدوث الكوارث الطبيعية أو المتسبب فيها البشر.
إن الدول التي لديها أنظمة صحية فعالة وشاملة التغطية للسكان لديها فرص قوية للسيطرة على الأمراض المعدية في مهدها؛ ما يسهل كثيرا من فرص السيطرة على الأمراض وتوفير مستويات مرضية من الأمن الصحي، فكلما انتشرت الأمراض المعدية صعبت السيطرة عليها. حتى لو تتمكن الدول من تملك المنظومات الصحية الفعالة والمغطية، فلا بد من توفير الموارد اللازمة لضمان الحد الأدنى من الأمن الصحي وتقليص مخاطر انتشار الأوبئة والأمراض المعدية إلى أدنى حد ممكن. إضافة إلى ذلك، يتطلب الأمن الصحي المحلي والإقليمي والعالمي تعاون دول العالم في التصدي للأوبئة والتقيد بالأنظمة الصحية العالمية وتجنب الاستغلال السياسي والاقتصادي للحوادث الصحية الطارئة أو التسبب فيها.

إنشرها