متى يصبح تحفيز القطاع الخاص في الاتجاه الخاطئ؟

|

أصبح متداولا بصورة واسعة خلال الأعوام الأخيرة مصطلحات وعبارات عديدة في مجال العلاقة بين الأجهزة الحكومية والقطاع الخاص، من أكثرها شهرة تطوير أو تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، تحفيز القطاع الخاص، دعم القطاع الخاص، وأحيانا أخرى يلحق بها كتأكيد لكسب مزيد من الدعم عبارة "والمنشآت المتوسطة والصغيرة".
يحدث كثير جدا من المتغيرات والتحولات تحت تلك العبارات "الرنانة" بمعنى أكثر دقة، قد تصل بأطراف تلك المصطلحات والعبارات إلى الوقوع فيما هو المحذور بعينه، وهو صلب الحديث هنا الذي يتركز فقط على ما قد ينشأ نتيجة له تعطيلا أو تأخيرا أو حتى إيقافا لتنفيذ أنظمة ولوائح وإجراءات أقرتها الدولة -أيدها الله- لأجل تحقيق المصلحة العامة للبلاد والعباد، والمحافظة على مقدرات الاقتصاد الوطني والمجتمع من تعرضها لأي تشوهات أو مخاطر أو هدر، والتسبب من ثم في حرمان الوطن بكل مكوناته ومقدراته من اكتساب عوائد تلك الأنظمة والإجراءات، أو تعريضه لمخاطر وخسائر استهدفت الأنظمة ذاتها حمايته منها، وفي الوقت ذاته الذي قد يحدث خلاله كل تلك التحولات غير المقبولة مطلقا، لا نجد إلا قلة تكاد لا تذكر هي المستفيدة حصرا من كل هذا؛ باكتسابها لما هو في الأصل مباح لها نيله على قدر المساواة والعدل كغيرها، إلا أنه في هذه الحالة الاستثنائية أكبر غلة، والأسوأ من كل ذلك إن كان مستحيلا أن تناله عن استحقاق وجدارة تحت مظلة تطبيق الأنظمة واللوائح على الجميع كما أقرتها الدولة، ولا مجال هنا إلا أن تعفى من الالتزام بها!
والتأكيد هنا وفي كل مقام أنه عدا ما تقدمت الإشارة إليه أعلاه من مخاطر محتملة قد تترتب على عقد مثل تلك الشراكات والدعم والتحفيز، فهي خارج دائرة الحديث هنا، بل يشد الجميع على نجاحها وتقدمها إلى أهدافها النهائية المرسومة، ما دامت أن نتائجها الخيرة ستصب عوائدها في حساب المصلحة العامة للبلاد والعباد، وهو الأمر الذي لا حاجة إلى إثباته بأي دليل.
إننا ونحن في أطوار تحويل وتغيير اقتصادنا الوطني ضمن رحلته الميمونة في طريق "رؤية المملكة 2030"، وصولا إلى أهدافها متوسطة وطويلة الأجل، يجب علينا جميعا أجهزة حكومية تنفيذية، ومنشآت شبه حكومية، ومنشآت قطاع خاص، وأفرادا وجماعات، وضع أولوية الالتزام التام بأنظمة وبرامج وإجراءات ومنهجية ذلك التحول الكبير في المقام الأول دون منافس لها وتأتي بعده بقية المحاور والمواضيع.
لا بد من إعادة النظر، والتركيز بدرجة أوسع أفقا تجاه أي من تلك الشراكات والتحفيز والدعم، التي قد يطغى عليها إضفاء كثير من الوهج والتسويق في غير محله، والبحث فيما سيكتسبه الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء، وأيضا ما قد يخسره أو يتحمله من تكاليف وأعباء، ودراسة جدوى كل ذلك أخذا في المقام الأول حساب المصلحة العامة قبل أي اعتبار آخر، هذا أولا. ثانيا: يتم تقدير الآثار الكلية على الأنظمة والبرامج والإجراءات التي أقرتها الدولة، لقاء الاستثناءات تحت تلك الشراكات والتحفيز والدعم لمصلحة الشرائح المستفيدة منها، وتقييد تلك الآثار ضمن أضيق حدود ممكنة، فلا نصل في مرحلة ما من الزمن مستقبلا، لنصطدم بحقيقة مرة مفادها أن أغلب الأنظمة والبرامج والإجراءات المقررة لم يتم تنفيذها، وأن السائد الأكبر كان هو الاستثناء، وهذا ما لا يمكن القبول به من أي طرف من الأطراف وضع نصب عينيه المحافظة على مقدرات الوطن والاقتصاد والمجتمع.
ثالثا: ألا يترتب على تلك الاستثناءات تحت بند تلك الشراكات والتحفيز والدعم أن تجد منشآت القطاع الخاص التي التزمت كما يجب بالأنظمة والبرامج والإجراءات التي أقرتها الدولة، وكما استشعر ملاك تلك المنشآت بحس وطني ومسؤولية عالية، أؤكد ألا تترتب عليه مساواتها بغيرها من المنشآت التي لم تلتزم مثلها، أو حتى لم تبذل أدنى جهد يذكر أسوة بتلك التي تحملت بمسؤولية تامة أعباء وتكاليف الالتزام، وكأننا والحال هنا نكافئ من لم يلتزم من المنشآت على حساب المنشآت الملتزمة، أو كأنما نطلق إشارة مفادها أن من لم يلتزم من المنشآت بالأنظمة والبرامج والإجراءات يقفون في موقع أعلى أهمية من تلك التي التزمت وتكيفت، وهو الأمر الذي لا يقبل به أي طرف من الأطراف، التي قد تقف خلف عقد أي من تلك الشراكات والتحفيز والدعم إذا علم به يقينا، ولا يمكن أن يقبل أحد هنا أن تأتي الأمور وكأنها عقاب على من التزم وتحمل أعباء ذلك الالتزام، وفي الوقت ذاته كأنها مكافأة وتقدير لمن لم يلتزم بالأنظمة والبرامج.
كل ما تقدم يدخل تحته عديد من الأنظمة والبرامج؛ منها على سبيل المثال لا الحصر، الرسوم على العمالة الوافدة ومرافقيها، الرسوم على الأراضي البيضاء، الرسوم على الخدمات البلدية، تكاليف استهلاك مصادر الطاقة بكل أنواعها، وغيرها من الأعباء والتكاليف اللازم تحملها من قبل منشآت القطاع الخاص، تحقيقا لمصالح أكبر وأوسع ترتبط بالوطن والاقتصاد والمجتمع، تكفلت بتحقيقها "رؤية المملكة 2030" وجميع ما ورد تحتها من برامج تنفيذية، تحولت أجزاء عديدة منها إلى المادة الأثقل وزنا لتلك الشراكات وإجراءات التحفيز والدعم، وأصبح الاستثناء من تنفيذها كأنما هو العنوان الأبرز والموضوع الرئيس، ما يقتضي هنا أن يتم إخضاع جميع تلك الشراكات المنشودة والتحفيز والدعم قبل الحديث عنها وإقرارها؛ لآلية فحص شامل ودقيق يأخذ في الحسبان ما تقدم ذكره أعلاه، وتحت ما يمكن أن يترتب عليها من مصالح وتكاليف وأعباء على كاهل المصلحة العامة قبل أي اعتبار آخر، إضافة إلى العاملين الآخرين المتعلقين بأن يأتي نفاذ الأنظمة والبرامج أكبر وأوسع من الاستثناءات، وألا تكون منشآت القطاع الخاص الأعلى والأكفأ التزاما بالأنظمة أقل حظا ومكافأة من المنشآت التي لم تلتزم بالأنظمة والبرامج. وللحديث بقية بمشيئة الله تعالى.

إنشرها