محدودية نتائج بعض أبحاث ودراسات صندوق النقد الدولي

|


بين فينة وأخرى تظهر دراسات لباحثين في صندوق النقد الدولي، هذه الدراسات والتقارير تكون مادة للخبر في كثير من وسائل الإعلام، لكن يجب علينا كقراء إدراك أن هذه المقالات التي تظهر في موقع صندوق النقد الدولي وكذلك الدراسات قد لا تمثل الرأي الرسمي للصندوق أو أن الصندوق قد تبنى توصياتها، ذلك أن للصندوق توصيات واضحة ومعلنة للدول وفقا للمادة الرابعة من نظامه، فهذه الدراسات غير المرتبطة بالمادة الرابعة تكون في العادة مستندة إلى فرضيات عدة بعضها قد لا يكون صحيحا أو تكون محل جدل، وأخيرا انتشرت دراسة عن احتمالية جفاف إيرادات النفط في دول الخليج بحلول عام 2040، ولعل أهم مشكلة في الدراسة تخصيصها لدول الخليج بلا سند، كما استندت الدراسة إلى بيانات إحصائية حول النمو في الطلب العالمي على النفط فقط، وباستخدام نماذج الاقتصاد القياسي تم الربط بين عاملين هما النمو في التعداد السكاني العالمي ومتوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي، وعلى أساس أن النمو في التعداد السكاني لم يزل عند مستويات لا تدعم النمو في الطلب، كما أن نمو الطلب ينخفض كلما زاد نصيب الفرد من الناتج المحلي، وبهذا استنتجت الدراسة أن الطلب من الدول الغنية سينخفض خاصة كلما زاد الوعي بأهمية الحفاظ على البيئة والاتجاه نحو بدائل الطاقة المتجددة، ثم ذهبت الدراسة إلى القول إن النمو على النفط كان في اتجاه التناقص المستمر، وإن إنتاج العالم من النفط الصخري سيتزايد مع نجاح الولايات المتحدة في تطوير هذه التكنولوجيا، وهكذا حتى عام 2035 عندما تنخفض الأسعار بشكل لا يجعل إيرادات النفط كافية لتغطية النفقات في دول الخليج وترى الدراسة ضرورة البدء في معالجة المشكلة الآن.
بغض النظر عن ضرورة الاستمرار في الإصلاحات الاقتصادية الرامية إلى تحقيق تنويع اقتصادي وأن الدراسة لم تأت بجديد، خاصة أن التنوع الاقتصادي ينطلق من مبدأ أساس لا يمكن تفنيده وهو تجنيب الاقتصاد المخاطر المنتظمة كافة لكن يجب ألا تقودنا مثل هذه الدراسات إلى تبني مسارات عقابية للاقتصاد، أو الاستعجال في بعض الخطوات. فالدراسة وإن كانت انتهت إلى حقيقة ضرورة تنويع الاقتصاد فإنها أخطأت في الاستنتاجات بشأن النفط وذلك للأسباب الآتية: أولا: كانت العلاقة بين النمو في الطلب على النفط، ونمو التعداد أو النمو في نسبة الفرد من الناتج المحلي علاقة غير دقيقة والسبب أن الدول المتقدمة التي تعاني تراجعا في التعداد السكاني تتزايد لديها نسبة الفرد في الناتج المحلي بشكل طبيعي فهناك علاقة بين المتغيرات في الدراسة، ذلك أنه كلما تناقص حجم المجتمع زاد نصيب الفرد، وهذا هو السبب الذي جعل بعض هذه الدول تدعو إلى فتح باب الهجرة للعمال الأجانب المهرة، ذلك أنها تستفيد مباشرة من إسهامهم في الناتج المحلي أيضا في دعم صناديق التقاعد لزيادة عدد المتقاعدين كبار السن بينما لا يقابلهم عدد كاف من العمال، هؤلاء العمال يتدفقون من الدول الأقل دخلا التي ترى الدراسة أنها ستحافظ على الطلب العالمي على النفط، هذه العوامل المتعلقة بالهجرة وتدفقات الأموال لم تراعها الدراسة.
ثانيا: العلاقة بين هذه العوامل يجب ألا تتصل بها شوائب، وهذا يتم من خلال دراسة العلاقة بسلسلة زمنية مستقرة، ما يتطلب نماذج قياسية أكثر دقة مما أفصحت عنه الدراسة، ومثال ذلك ما قام به أحد العلماء المختصون في الاقتصاد القياسي حيث أتى بعوامل اقتصادية من دول متفاوتة لا علاقة بينها أساسا بالمنطق البسيط، ومع ذلك طبق المعادلات الإحصائية وكانت العلاقة بين هذه العوامل قوية جدا مقاسة بما نسميه "R2" وهو ما يجعل العلاقة بين هذه العوامل علاقة زائفة ولهذا تم تطوير نموذج يسمى التكامل المشترك وتصحيح الخطأ، من أجل ضمان أن العلاقات صحيحة والنموذج القياسي غير زائف.
ثالثا: يعود إلى تجاهل الدراسة حقيقة أن النمو الذي شهده تطوير تكنولوجيا استخراج النفط الصخري لم تستطع حتى الآن التغلب على مشكلة التكلفة، وأن نقطة تعادل هذه الصناعة لم تزل مرتفعة ولهذا لم تزل مقولة نهاية عصر النفط الرخيص فعالة، ما لم تحدث طفرة حقيقية في هذه الصناعة، هنا تبدو عملية تحديد التاريخ بالأعوام 2035 أو 2040 زائفة وليس لها سند قوي، وإذا أضفنا أن الارتفاعات التي شهدتها الأسواق في الأعوام ما قبل 2014 كان من بين أسبابها تفاقم النزاعات المسلحة حول مصاب النفط، هنا لم يزل كثير من مناطق النفط في العالم عرضة لمثل هذه التقلبات السياسية، وسيظل دور المنتجين الرئيسين للنفط معالجة هذه الفجوات الكبيرة في الإنتاج، وما حصل من انخفاض مفاجئ وسريع في الأسعار لم يكن بسبب دخول الإنتاج الصخري في الحصص بل لأن الدول المنتجة الرئيسة فقدت قدرتها على صنع سوق متوازنة ولما تنبهت المملكة لخطورة بقاء الأمر على ما هو عليه حينها، تمت جولة سياسية حاسمة للملك سلمان ومن خلالها وتحت عمل بإشراف مباشر من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تمت إعادة صياغة العلاقات في السوق وإنشاء مجموعة "أوبك+" التي استطاعت خلال عام واحد معالجة الفائض في الأسواق، وعودة الأسعار بقوة، هذه العوامل الإدارية وقدرة المملكة على تشكيل تحالفات جديدة تم تجاهلها في الدراسة تماما.
بقي القول إن الطاقة المتجددة لم تزل غير قادرة على إزاحة النفط، كما أن تطويرها وتطوير أي منتجات جديدة تسعى إلى تخفيف استهلاك الطاقة، إنما هو مرتبط بتطوير صناعة البتروكيماويات المستخرجة من النفط، والمملكة لم تزل تقف على هرم هذه الصناعة وهناك عمل جاد للصناعات التحليلية المرتبطة بها، فالنفط سيظل تاج الحضارة الإنسانية وسيبقى كذلك.

إنشرها