ثورة الثروة «2»

|


في المقال الأول ناقش الدكتور ستيفن ديفز أستاذ التاريخ والاقتصاد والفلسفة الاجتماعية في كتابه "انفجار الثروة: طبيعة وأصل الحداثة" لماذا وكيف بدأت ثورة الثروة في أوروبا وليس في مناطق الحضارة المعروفة، وفي هذا المقال يناقش التبعات الثقافية والاجتماعية ليس في الغرب فقط لكن الحضارة كحراك بشري. حياة الناس لم تشهد تغيرا مؤثرا حتى الربع الثاني من القرن الـ19، لعل طرح ماركس ليس الوحيد الذي حاول علميا فهم وشرح التطورات الجديدة اقتصاديا واجتماعيا لكنه كان دليلا على عمق التغير وردة الفعل. في 1851 أصبحت بريطانيا أول دولة في العالم أغلب سكانها في المدن وليس الأرياف، عندها أصبح التحول في حياة الناس جذريا وشاملا. التعبير الفكري والثقافي للتغير كان فيما يسمى بحقبة التنوير، سلسلة أفكار تبحث في العلاقة بين الإنسان ومحيطه القريب والبعيد التي تميزت بعدة أفكار أساسية: الأولى، إن ما يهم الناس هو راحتهم المادية والنفسية في الحياة الدنيوية. الثانية، اكتشاف الناس لقدرتهم على تحسين الأوضاع وتقليل الأخطار. الثالثة، أفضل طريقة للتقدم تكون بإعطاء الناس فرصة للإبداع من خلال الحرية الشخصية. يحذر الكاتب من أن مسارات التقدم غير مضمونة وربما تتعرض أي حضارة للتراجع كما حدث مع الصينيين والعباسيين، وأن التعويل على نخبة ضيقة من مختصي التأهيل قد تقود إلى تقليص مساحة الإبداع لأن هذه النخب قد تقلل مساحة الحريات والإبداع، كما يرى أنه يحدث في الغرب الآن. إذ يرى أن هناك فرقا بين تطبيقات المنطق خاصة في العلوم وبين اختزال الحق في إدارة المجتمع لنخب ترى أنفسها أفضل من الناس وبالتالي وكيلا على تطور المجتمعات. يرى أنه ليس هناك تناقض بين دور المنطق المركزي والتنظيم الاجتماعي العفوي الذي يسمح للتطور من الأسفل إلى الأعلى.
التعاون الاجتماعي يستطيع بناء "المجتمع الناجح" كما يذكر فردريك هايك. إحدى الملاحظات المثيرة في الكتاب أن الحضارة اليوم ليست غربية. الحضارة الغربية منظومة الأفكار والممارسات والرموز وأنماط الحياة التي تكونت على خلفية الثقافة اليونانية والرومانية، لكنها ظهرت بثوب جديد في القرن الثامن. لكن الثقافة السائدة في الغرب اليوم مختلفة عن تلك الأصول المسيحية على سبيل المثال. فترة التحول كانت طويلة إلى أن وصل المجتمع الغربي إلى نقطة التحول في الفترة بين نهاية القرن الـ19 وبداية القرن الـ20. كذلك يتابع أن هذا التحول ليس خاصا بالحضارة الغربية لكن عبر كل الحضارات التي مرت بتغيرات هيكلية وقطعية مع الماضي. بل إن التنوير كان في أغلبه نقدا للمسيحية. فلم يكن المجتمع فردي النزعة لكن كان عائليا، الذي بطبيعته يتوقع درجة من التعاون، ولكن اليوم الترابط العائلي ضعف، لذلك يمكن للشخص أن يعيش وحيدا. لذلك هناك حالة جديدة مجتمعيا في اختلاف جوهري عن الماضي القريب. فبدا أن هناك شكوكا حول أهمية تنمية الثروة في المستقبل لما في ذلك من ضغوط على المجتمعات والبيئة والمنافسة، ليس التوجه بالضرورة نزعة اشتراكية ولكن تساؤل حول طبيعة التقدم.
البعض يعتقد أن الخيار الأفضل يكون في المحافظة على ما تحقق ماديا واستمرار الحياة الطيبة كما هي على الأقل في الدول الغربية المتقدمة. لكن طبيعة التقدم المادي تحتاج إلى تعويض دائم في رأسمال المادي الذي يتآكل بطبعه ولذلك هذا الخيار غير واقعي كما يراه، فليس هناك حياة دون استمرار الإبداع، فالتوقف يعني الانحدار، الاختلاف يكون بين الاستهلاك والإبداع. تبسيط الحياة الحضارية خيار أخذت به الحضارة الرومانية في القرنين الخامس والسادس، وحضارة المايا في أمريكا الجنوبية في القرن الـ12، ما تسبب تدريجيا في الهجرة إلى المدن وتخلف المجتمع. الإبداع والمنافسة يرتفعان في المدن، الإبداع هو الشرارة التي تحرك سلامة وتقدم المجتمع. فليس هناك خيار آخر غير الاستمرار في الإبداع ليس لتكوين الثروة فقط لكن لاستمرار الحياة النشيطة والصحية. يتعامل الكتاب مع التاريخ الاقتصادي لكنه موجه للقارئ والممارس الغربي، لكن هناك دروسا اقتصادية واجتماعية يمكن استخلاصها من تجارب الدول النامية على اختلاف مراحل التحديث، العبرة أن المنافسة والإبداع أدوار أزلية.

إنشرها