Author

آفاق وتطلعات الاقتصاد الوطني

|
عضو جمعية الاقتصاد السعودية

يفتتح اقتصادنا الوطني عامه الجديد حاملا على كاهله ملفات تنموية عملاقة عديدة، تناهز قيمتها الإجمالية سقف الستة تريليونات ريال، تتوزع بين قيم نشاطات الاقتصاد الوطني (زراعة، خدمات، صناعة)، وما يجري عليها من إصلاحات بدأت منتصف 2016، تستهدف رفع كفاءتها وزيادة تنويع قاعدتها الإنتاجية، إضافة إلى زيادة قدرتها على إحلال وتوليد الوظائف أمام أكثر من 1.03 مليون باحث وباحثة عن فرصة عمل. كما تشمل تلك القيمة العملاقة رفع كفاءة السياسة المالية العامة، المسؤولة عن تنويع مصادر الإيرادات العامة، والاستمرار في رفع مساهمة الإيرادات غير النفطية في إجمالي الإيرادات، وصلت بها في نهاية 2019 إلى 34.4 في المائة من إجمالي الإيرادات مقارنة بمستوياتها السابقة قبل 2015 التي كانت لا تتجاوز 13 في المائة، إضافة إلى مسؤوليتها عن ضخ أعلى من 1.0 تريليون ريال سنويا بين نفقات تشغيلية وأخرى رأسمالية، بما تشكله من وزن في الناتج المحلي الإجمالي يتجاوز 37.3 في المائة، وإحكام السيطرة على العجز المالي الذي نجحت في خفضه من 14.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي نهاية 2015 (362.2 مليار ريال)، إلى أدنى من 4.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2019 (131 مليار ريال)، والسيطرة أيضا على مستوى الدين العام المقدر بلوغه 754 مليار ريال بنهاية العام المالي 2020 (26 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي).
كما تشمل تلك القيمة لإجمالي تطلعات وتحديات الاقتصاد الوطني، اجتذاب مزيد من تدفقات الاستثمار الأجنبي، وتسهيل توظيفها في آلاف الفرص الاستثمارية المحلية (بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر داخل الاقتصاد حتى الربع الثالث 2019 أعلى من 877.2 مليار ريال)، مضافا إليه تدفقاته إلى السوق المالية المحلية بنحو 183.8 مليار ريال للفترة نفسها، ونحو 271 مليار ريال كاستثمارات في سندات الدين، وهو ما يتجاوز في مجموعه سقف 1.3 تريليون ريال، والطموحات قياسا على المشاريع التنموية العملاقة التي سبق إعلان تدشينها طوال الثلاثة أعوام ونصف الماضية، بقيمٍ إجمالية ضخمة تستهدف بالدرجة الأولى اجتذاب مئات المليارات من الاستثمارات الأجنبية، تقضي بالاستمرار في بذل وتنفيذ مزيد من الإصلاحات الهيكلية التي بدأت عجلتها ولا تزال حتى تاريخه، الذي يعد تحقق تلك التطلعات عاملا رئيسا على طريق زيادة تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، ورفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، وعلى القدر نفسه من الأهمية أن تسهم تلك التطورات في زيادة فرص العمل أمام الباحثين والباحثات عنها، والمساهمة في خفض معدلات البطالة المرتفعة وفق وضعها الراهن.
ويدخل في أهداف تلك التحولات المرتقبة والقائم العمل على تحقيقها خلال الفترة الراهنة، تجاوز مشكلة صعوبة تملك المساكن بالنسبة للمواطنين، والأخذ جديا بمتطلبات استكمال الإصلاحات التي أقرها مجلس الوزراء قبل أكثر من ثلاثة أعوام، في مقدمتها نظام رسوم الأراضي البيضاء، والانتقال بتنفيذه إلى بقية مراحله المقررة، التي ستؤدي إلى تحرير مئات المليارات من الأراضي السكنية من يد الاحتكار، وهو ما سيؤدي إلى خفض مستويات الأسعار المتضخمة لأسعار الأراضي والعقارات السكنية والتجارية على حد سواء، بما يعزز تقدم تنفيذ بقية برامج "رؤية المملكة 2030"، التي يمثل بقاء أسعار الأراضي والعقارات متضخمة كما هو قائم حتى تاريخه، أحد أكبر المعوقات التي تقف في طريق تقدمها وتحققها. كما يجب النظر بعين حصيفة في مخاطر ارتفاع حجم القروض العقارية وغيرها على كاهل أفراد المجتمع، وارتباط مخاطر ارتفاع استقطاعاتها الشهرية بنسب تتجاوز 50 إلى 65 في المائة من الدخل الشهري للفرد، إنها في المقابل تشكل ثقلا يقلص فرص وحظوظ الطلب الاستهلاكي الخاص، والقدرة على الادخار والاستثمار لدى أولئك الأفراد، الذي ستأتي نتائجه عكسية على حساب منشآت القطاع الخاص، بما يقلص سرعة نمو مساهمتها في تنويع قاعدة إنتاج الاقتصاد الوطني، إضافة إلى تقليص قدرتها على زيادة توطينها للوظائف، نظير تقلص التدفقات الداخلة عليها من الإنفاق الاستهلاكي الخاص للأفراد المقترضين لتلك القروض لمدد تتجاوز 20 عاما.
يجب التأكيد على أن استمرار تطوير منظومة العمل الحكومي، ممثلا في جميع الأجهزة الحكومية المسؤولة عن تنفيذ برامج وسياسات "رؤية المملكة 2030"، ووضعها في المسار الذي يكفل تعزيز بعضها بعضا، والعمل في الوقت ذاته على إغلاق وسد ما يمكن أن يؤدي خارج آلية عمل تلك المنظومة إلى إعاقة تقدم عمل بقية الأجهزة الحكومية الأخرى، وهو ما يخضع من فترة إلى أخرى كما تم الإعلان عنه تكرارا إلى المراجعة والمراقبة والمتابعة اللصيقة. إن من الأهمية القصوى أن يتم مختلف البرامج والإصلاحات وفق مسارات لا تتصادم مع بعضها بعضا، أو أن يأتي تحقق أحدها على حساب إعاقة أو تأخير برامج أخرى، وهو ما جرى ويجري العمل عليه الآن، إنما يأتي التأكيد على أهميته هنا مجددا؛ لما يحمله هذا المحور التنفيذي من أهمية قصوى، يجدر التذكير به بصورة مستمرة، وما يمثله ذلك من تحصين وحماية لتقدم خطوات تنفيذ عموم تلك البرامج الإصلاحية الأكبر في تاريخ اقتصادنا الوطني، وما تمثله من وزن كبير ضمن دائرة اهتمام القيادة الرشيدة وعموم أفراد المجتمع السعودي، وصولا إلى غاياتها النهائية المنتظر أن تصب نتائجها الإيجابية بتوفيق الله في المصلحة العامة للبلاد والعباد. والله ولي التوفيق.

إنشرها