ناظور «الأخ الأكبر»

|


كثيرة هي الأعمال الأدبية التي تصور ما سيكون عليه وضعنا كبشر في قادم الأيام. لكن قد لا نبالغ إن قلنا ليس هناك أديب جعلنا نخشى المستقبل مثل البريطاني جورج أورويل.
من مجموع مؤلفاته هناك روايتان لأورويل يكتنفهما بعض الغموض لمجازيتهما المفرطة، أقول مفرطة لأنهما ومن خلال أحداثهما وشخوصهما لا تؤشران إلى واقع اجتماعي محدد؛ مع ذلك تنطبقان من حيث المغزى على أي واقع تقريبا.
والروايتان، "1984" و"مزرعة الحيوانات"، بيع منهما من النسخ ما لم يتم بيعه من أي كتاب آخر، وقد ترجمتا إلى شتى اللغات.
وهنا في السويد تدرس هاتان الروايتان في مرحلة الثانوية ويتم ربطهما بالواقع الاجتماعي الحالي.
هناك تقارب وتشابه في المغزى والحكمة التي يحاول أورويل إيصالهما لنا من خلال الروايتين. وقد لا نبالغ إن قلنا إن بعض المصطلحات والمفاهيم التي ترد في الروايتين دخلتا من أوسع الأبواب في معاجم وثقافات الأمم المختلفة. وأكثر مصطلح وجد طريقه إلى المخيلة الشعبية حول العالم هو "الأخ الأكبر" الذي يرد في "1984".
ويصور كثير من الناس ومعهم كثير من النقاد أن توقعات أورويل حول ما سيكون عليها العالم عام 1984 (ومن هنا عنوان الرواية "1984" التي كتبها في نهاية الأربعينيات من القرن المنصرم) لم تكن واقعية.
لكن محبو أورويل والمختصون بأدبه وكتاباته كان لهم رأي آخر. في نظرهم، إن تنبؤات أورويل كانت صحيحة وإن العالم دشن مرحلة "الأخ الأكبر" منذ الثمانينيات من القرن الماضي، وبقدوم الثورة الخوارزمية والذكاء الاصطناعي صارت ظاهرة "الأخ الأكبر" جزءا من واقعنا الاجتماعي.
ويصف أورويل عالما مستقبليا ظاهره الحرية والديمقراطية بينما باطنه طغيان ومراقبة شديدة من قبل الدول والحكومات والشركات والمؤسسات لغرض السيطرة واضطهاد الذين في معيتهم وحرمانهم حقوقهم.
ويشاء القدر أن تكون الدول والمجتمعات التي تدعي التمدن والرقي والتطور التقني والتكنولوجي مسرحا لتحقيق تنبؤات أورويل في "1984".
كان أغلب القراء والنقاد قبل عام 1984 يتصورون أن أورويل في "1984" وفي "مزرعة الحيوانات" يشير إلى الدول التي تحكمها نظم غير ديمقراطية مثل الاتحاد السوفياتي السابق والصين وغيرهما.
ويرى بعض النقاد أن أورويل توصل إلى هذا التصور لما سيكون عليه عالمنا من خلال ما كانت تنقله له زوجته التي كانت تعمل حينها في أجهزة المخابرات البريطانية في غضون الحرب العالمية الثانية.
ومع قدوم الثورة الخوارزمية (الثورة الصناعية الثالثة) في نهاية القرن الفائت وشيوع الأجهزة الرقمية، حدث تغيير هائل في أسلوب الحياة ومعها الثقافات والقيم.
وبدخولنا الثورة الصناعية الرابعة في هذا القرن مع تقنية الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز والروبوتية وهندسة الجينات والطباعة ثلاثية الأبعاد وتطبيق تقنية اتصالات الجيل الخامس فائقة السرعة، بدأنا نلحظ تغييرات مستمرة مذهلة في أسلوب الحياة.
وقد يتساءل القارئ الكريم أين موقع "1984" من كل هذا؟
يتبع كل ثورة صناعية طفرات هائلة في أجهزة وطرائق مراقبة الناس من أجل السيطرة وتحقيق مأرب السلطة. والسلطة في أي مكان وعلى أي مستوى وأي قيمة أو أخلاق تدعي تمثيلها والدفاع عنها، لا بد أن تميل صوب الفساد والاضطهاد والقهر بشكل أو آخر.
وكلما زادت سطوة السلطة وتمدنها ورقيها وثروتها، غاصت أكثر فأكثر في طين المراقبة الطاغية.
وأنت تمر اليوم في أي ساحة أو محطة قطار أو مطار أو جامعة أو مدرسة أو مكان عام أو شارع سيهولك منظر النواظير (الكاميرات) التي يراقبك "الأخ الأكبر" من خلالها.
ولأنه "الأخ الأكبر" نمنحه ثقتنا ونسمح له بأن يراقبنا بهذا الشكل الطاغي ونصدقه أنه يفعل كل هذا من أجلنا بينما هو ينتهك خصوصيتنا. في بعض مناطق العالم، يصل عدد الكاميرات الحديثة التي تعمل حسب تقنية الذكاء الاصطناعي إلى نحو 170 لكل ألف شخص؛ فإذا كان عدد سكان مدينة ما خمسة ملايين نسمة، في إمكاننا تصور العدد المهول من الكاميرات ذات القدرة الفائقة التي يصوب "الأخ الأكبر" من خلالها نواظيره علينا.
هنا أتحدث فقط عن النواظير (الكاميرات) التي بحوزة "الأخ الأكبر".
وحدث ولا حرج عن حجم المراقبة الطاغية التي يطل علينا "الأخ الأكبر" من خلالها بعد أن منحناه أي معلومة يحتاج إليها ونحن نتهافت على شراء واستخدام الأجهزة الرقمية التي لن تصح الحياة اليوم بدونها.
كان أورويل مفكرا كبيرا قبل أن يكون روائيا وصحافيا ناجحا في كل ما تركه لنا، لكن تبقى "1984" ومعها "مزرعة الحيوانات" أبدع ما أتت به قريحته ومن أكثر كتبه تأثيرا وشهرة إلى درجة أنهما صارا جزءا من مخيلتنا الشعبية.
ونحن نحرق مراحل التطور الصناعي وبسرعة، يلاحقنا "الأخ الأكبر" في أغلب مضامير حياتنا.
"الأخ الأكبر" اليوم له حضور في السينما والتلفزيون والمسرح والمدارس والجامعات.
ولا أظن هناك جانبا لم يقتحمه "الأخ الأكبر" وسيلاحقنا وينمو معنا مع سرعة نمونا وتطورنا ورقينا في عالم العلم والتكنولوجيا.

إنشرها