أخبار اقتصادية- عالمية

«مصنع العالم» مهدد بفقدان جاذبيته .. منافسون جدد يخطفون الأضواء من الآلة الصينية

"الصين مصنع العالم"، تعبير يعد أحد أيقونات وصف التجربة الاقتصادية للصين، التي باتت نموذجا اقتصاديا ملهما يدرس في معظم -إن لم يكن- جميع المعاهد والكليات المعنية بعلم الاقتصاد وبعديد من العلوم الأخرى.
ففي عام 1980 كانت الصين تحتل المرتبة السابعة بعد إيطاليا في مجال التصنيع، في عام 2011 أعلن رسميا تفوقها على الولايات المتحدة، لتصبح بذلك أكبر منتج للبضائع المصنعة في العالم.
بالطبع، استخدمت الصين تلك القدرة الصناعية الضخمة لرفع مستويات معيشة السكان، وخلال عقد واحد أفلحت في مضاعفة متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وتحقيق إنجاز تطلب من المملكة المتحدة 150 عاما لتحقيقه.
هل غربت شمس الصين؟ أم في طريقها إلى الغروب؟، وهل تبرز على الساحة الدولية اقتصادات ناشئة أكثر شبابا ورشاقة قادرة على تحدي العملاق الصيني؟ وهل تتراجع المزايا التصنيعية للصين؟ وهل هذا التراجع أمر طبيعي في عالم الاقتصاد؟ أم أن السياسات التي أسهمت في تحقيق تلك النهضة وصلت الحد الأقصى، واستنزفت قدرتها الداخلية، وباتت الصين في حاجة إلى نموذج اقتصادي جديد قادر على بث الحيوية والنشاط مجددا في "مصنع العالم"؟
تشير المعطيات الاقتصادية المتاحة إلى أن الصين تواجه تحديات متزايدة، أخطرها حاليا تباطؤ النمو الاقتصادي.
يقول لـ"الاقتصادية"، الدكتور جافين هاربر أستاذ الاقتصاد الصيني في جامعة شنغهاي والمحاضر في جامعة كامبريدج، "ولت الأعوام التي حققت فيها الصين معدلات نمو اقتصادي مرتفعة وغير مسبوقة، ورغم أن معدل النمو الراهن يزيد على 6 في المائة، ولا يزال من أفضل معدلات النمو في العالم، فإنه يمكننا القول إن معدل النمو الحالي يتراجع مقارنة بمعدلات نمو في أعوام سابقة. فالأجور آخذة في الارتفاع، والمستهلكون باتوا أكثر تطلعا، إذ إن مستويات استهلاكهم أكثر تعقيدا الآن، مقارنة بعقد أو عقدين ماضيين، والضغوط تتنامى بالنسبة إلى الاقتصاد الكلي، فالانخفاض شبه حتمي في الدور النسبي للتصنيع نتيجة زيادة الثراء، والنمو الصناعي يتباطأ بمعدلات أسرع من تباطؤ الاقتصاد الكلي".
ويضيف هاربر، "هذا واضح من انتقال الاستثمارات الجديدة خاصة في مجال التصنيع إلى مواقع إنتاج منخفضة التكلفة مثل فيتنام، وهذا لا شك يوجد حالة من القلق لدى القيادة الصينية بشأن تراجع مزاياها التصنيعية في مواجهة المصنعين الجدد".
مع هذا، فإن التساؤل لا يزال مطروحا، فانخفاض الأجور والرواتب عنصر جذب للراغبين في الاستثمار في مجال التصنيع، لكنه في نهاية المطاف عنصر جذب ضمن عناصر متعددة، فالصين لديها بنية تحتية قوية في مجال الموانئ والسكك الحديدية والطرق، والمهارات الهندسية منصة أخرى أسهمت في زيادة صادرات الصناعة التحويلية في الصين لعقود، كما أن السوق المحلية من الضخامة، بحيث لديها القدرة على استيعاب الإنتاج الصناعي الصيني علاوة على التصدير.
ويعتقد بيتير بيرس الخبير الاستثماري، أن الصين لا تزال تتمتع بعديد من المزايا التصنيعية، ويدفعه ذلك إلى القول إنها ستظل لفترة طويلة مقبلة "مصنع العالم"، لكن هذا المصنع -من وجهة نظره– يعيد هيكلة نفسه، ويتجه إلى أن يكون أكثر تخصصا بعد أن كان ينتج كل شيء.
ويضيف لـ"الاقتصادية"، أنه "بحلول منتصف العام المقبل دخل أكثر من نصف الأسر الحضرية في الصين سينقلهم إلى صفوف الطبقة المتوسط العليا، وتلك الفئة كانت محدودة للغاية قبل عام 2000.. الطبيعة الطبقية للمنتمين إلى تلك المجموعة تجعلهم يطلبون منتجات استهلاكية مبتكرة دقيقة، تتطلب إمكانيات هندسية لا توجد لدى المنافسين الجدد للصين مثل فيتنام أو إندونيسيا أو الفلبين أو حتى ماليزيا وتايلاند، أما المنافسون الأكثر خبرة مثل تايوان وكوريا الجنوبية، فإنهم ربما امتلكوا القدرات الهندسية الصينية، لكن فيما يتعلق بالإنتاج ضخم الحجم، فإنه تصعب منافسة الصينيين في هذا".
ربما تتضمن رؤية الخبير الاستثماري جزءا من واقع المزايا التصنيعية للصين، التي تتفوق بها على منافسيها، لكن ما لا يمكن إنكاره أن زيادة الأجور وارتفاع قيمة اليوان أضعفا الصادرات الصينية في الأعوام الأخيرة، كما قلصا قدرة الصين على احتكار مركزها الصناعي منخفض التكلفة، الذي أفلح لأعوام في جذب رؤوس أموال الشركات متعددة الجنسيات التي تنتج سلعا كثيفة العمال، مثل المنسوجات.
فعديد من القطاعات التصنيعية التي راهنت على الإمكانات التكنولوجية للصين مثل قطاع التكنولوجيا ومعدات النقل وحتى المستحضرات الطبية بات يصطدم الآن بارتفاع أجور وراتب الفنيين الصينيين.
وتشير بعض البيانات الحديثة إلى أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم يفقد زخمه، بعدما أصاب الانكماش نشاط المصانع الصينية للشهر السادس على التوالي، فقد انخفض مؤشر مديري المشتريات الصناعي في الصين، الذي يعتمد على الشركات الكبيرة المملوكة للدولة من 49.8 في المائة في شهر أيلول (سبتمبر) الماضي إلى 49.3 في شهر تشرين الثاني (نوفمبر)، وانخفاض هذا المؤشر دون 50 في المائة يعني الاتجاه إلى الانكماش.
تشير البيانات الرسمية إلى انخفاض طلبات التصدير الجديدة للشهر السابع على التوالي في شهر تشرين الأول (أكتوبر)، بل إن دعامتي الصناعة الصينية السيارات والهواتف المحمولة تراجعتا بنسبة 15 و12 في المائة على التوالي مقارنة بالعام الماضي، ولم يرتفع توليد الكهرباء بأكثر من 3 في المائة، وتلك أقل زيادة منذ آذار (مارس) 2018.
إلا أن الدكتورة شيلي دايمون أستاذة التجارة الدولية في جامعة مانشستر، تعتقد أن تراجع القدرات الصناعية للصين، لا يعود إلى انخفاض مزاياها التنافسية، إنما نتيجة للحرب التجارية القائمة مع الولايات المتحدة.
وتضيف لـ"الاقتصادية"، أن "إنتاج القطاع الخاص زاد 8 في المائة، وارتفع إنتاج الشركات المملوكة للدولة 4 في المائة، لكن إنتاج الشركات الأجنبية تراجع 0.3 في المائة، وعديد من المصنعين الأجانب ينسحبون تحت ضغوط التهديدات الصادرة من البيت الأبيض، وكذلك للمزايا الضريبية التي تمنحها الولايات المتحدة التي ستستفيد منها الشركات التي تعيد هيكلة إنتاجها وإعادة مصانعها إلى الأراضي الأمريكية".
ويمكن فهم ذلك في إطار انخفاض نمو مبيعات التجزئة الصينية إلى أدنى مستوى له منذ 16 عاما، خاصة مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن التوصل إلى اتفاق تجاري بين بكين وواشنطن. ويدفع هذا المشهد ببعض الاقتصاديين إلى الإشارة إلى أنه في ظروف مختلفة ربما ظلت الصين تحتكر لقب "مصنع العالم" لعقود وعقود مقبلة، لكن بروز دول جنوب شرق آسيا مثل إندونيسيا وفيتنام وماليزيا وقربها من الصين، سهل على الاستثمارات الدولية الخروج من الأسواق الصينية إلى أسواق أخرى يعدها البعض صورة مصغرة من الصين عندما بدأت رحلتها في الازدهار الصناعي.
وتتسم الأسواق الجديدة بانخفاض تكلفة العمالة، والاستعداد لاتخاذ المبادرة، وكثافة سكانية جيدة.
لكن وجهة النظر تلك لا تلقى قبولا من روجرز كيتسون الباحث الاقتصادي المتخصص في الشأن الصيني، ويضيف لـ"الاقتصادية"، "الحديث عن تراجع المزايا النسبية الصينية في مجال التصنيع، أمر مبالغ فيه كثيرا، فالصين لا تزال تنتج 25 في المائة من جميع السلع المصنعة في جميع أنحاء العالم، ويعزى ذلك جزئيا إلى صعوبة العثور على قوة عمل كافية في اقتصادات البلدان المنافسة للصين".
ويشير كيتسون، إلى أنه "يجب أن نأخذ في الحسبان أيضا أن سلاسل التوريد المتخصصة في تلك البلدان، التي يعتقد أنها ستحل محل الصين منخفضه للغاية، ففي كمبوديا على سبيل المثال أكثر من 40 في المائة من جميع المنتجات الصناعية التي أنتجت محليا لم تف بمعايير الكفاءة".
ولا ينفي كيتسون أن بعض المستثمرين الأجانب انسحبوا من الصين نتيجة ارتفاع تكلفة الإنتاج وضغوط الإدارة الأمريكية، لكنه يشير إلى أن كبار المصنعين الأجانب لم ولن ينسحبوا، فشركة بوينج لصناعة الطائرات، التي تتخذ من شيكاغو مقرا لها، غير مستعدة للتخلي عن السوق الصينية في أي وقت قريب بعد افتتاح مصنع الطائرات 737 ماكس أواخر العام الماضي.
ورغم أن أعمال شركة بوينج في الصين تضيف أكثر من مليار دولار للاقتصاد الصيني سنويا، وهذا يغضب الإدارة الأمريكية، إلا أن الانصياع لرغبات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالانسحاب، وحتى التركيز على قضية ارتفاع أجور ورواتب العاملين، لن يكون مبررا لانسحابها من الصين، فهذا يعني عمليا أن الشركة الأمريكية تخلت عن أسواق الصين لمصلحة منافسها الأوروبي شركة إيرباص. وإذا أخذنا في الحسبان أنه في صفقة واحدة مع شركة الطيران الصينية باعت "بوينج" 200 طائرة من طراز 737 ماكس فإن هذا يلقي الضوء على الخسائر التي يمكن أن تتعرض لها جراء الانسحاب من الأسواق الصينية".
ومع هذا، يمكن الجزم حاليا بأن الصين ستظل سوق التصنيع الرئيسة في العالم لفترة طويلة مقبلة، كما ستظل ذات أولوية لمعظم الشركات الدولية وكبار المستثمرين الراغبين في الاستثمار الصناعي، لكن قدراتها تتراجع، ومزاياها النسبية تتآكل، وبيئة الأعمال فيها تتغير، والاقتصاد يتباطأ، وتكاليف العمالة في ارتفاع، والسلطات تشدد اللوائح البيئية، والأهم بروز منافسين جدد أكثر حيوية واستعدادا للحلول محل التنين الصيني.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية