مدن المستقبل الذكية

|


يشهد العالم نزوحا مستمرا نحو المدن، فمن المتوقع أن يرتفع نحو نصف السكان إلى ثلثي سكان العالم عند 2050، ما سيؤدي إلى زيادة في التلوث المؤثر في المناخ، ومن ثم في جودة حياة الإنسان في البيئة الحضرية. وهذا يتطلب التفكير بجدية في مستقبل المدن وإعادة النظر في فلسفة التخطيط على أسس جديدة تؤدي إلى تخفيض الكربون، وزيادة كفاءة استخدام الموارد، وتعزيز العدالة الاجتماعية. ولتحقيق ذلك برزت أفكار ومبادرات كثيرة من ضمنها مفاهيم "مدن المستقبل" Future Cities، والمدن الذكية Smart Cities، والتنمية الحضرية المستدامة Urban Sustainable Develpment ونحوها.
ويقصد بالمدن الذكية تلك المدن التي تستخدم حلولا تقنية مبتكرة تشمل مجالات الاقتصاد، والسكان، والحوكمة، وسهولة الحركة داخل المدينة، والبيئة، ومستوى معيشة السكان، لتحسين جودة الحياة وإيجاد بيئة حضرية مستدامة، تسهم في رفع مستوى الخدمات التي تقدم لسكان المدينة وزوارها. بعبارة أخرى "المدن الذكية" مفهوم أو نموذج يستخدم تقنية إنتاج المعلومات مثل الإنترنت، والحوسبة السحابية، وقواعد البيانات الكبيرة، ودمج المعلومات الجغرافية والفضائية من أجل تسهيل التخطيط والإنشاءات، وإدارة المدينة وخدماتها. بهذا ينطوي مفهوم المدن الذكية على دمج النظم الطبيعية والرقمية والبشرية في البيئة الحضرية لتقديم مستقبل مستدام ومزدهر لسكان المدينة، وذلك بناء على مجسات مدمجة وأجهزة لجمع البيانات الشاملة ومشاركتها من خلال وسائل الاتصال السلكية وغير السلكية، وتشمل أنظمة النقل، والقطارات، وشبكات المياه، والمباني، والمكونات الأخرى للبيئة الحضرية. وتستخدم هذه البيانات بعد تحليلها ومعالجتها من قبل الجهات المحلية وإدارة المرافق والخدمات، وكذلك الشركات والمؤسسات من أجل تعزيز مستوى الخدمات والأعمال داخل المدينة ومعالجة المشكلات الطارئة. وعلى الرغم من الجهود والمبادرات والمشاريع في هذا المجال، إلا أنه لا توجد في العالم إلى الآن مدينة ذكية بالكامل، في إطار مفهوم المدن الذكية، ولا تزال هناك مجالات كثيرة في حاجة إلى التحسين في الخدمات واستغلال الموارد والبنى التحتية.
ونحو تحقيق مفهوم المدن الذكية التي تتسم بالاستدامة ينبغي تحسين شبكات النقل العام للحد من التلوث وتخفيف الازدحام المروري، ما سينعكس إيجابا على تخفيض الوفيات، وينبغي أيضا تشجيع استخدام الطاقة الشمسية المتجددة في معظم الأنشطة الحضرية، وكذلك استخدام السيارات الكهربائية والدراجات الهوائية، إضافة إلى تشجيع المشي من خلال إيجاد شوارع للمشاة لا تدخلها السيارات، إضافة إلى إنشاء مجمعات للخدمات الضرورية في مناطق قريبة للسكان للحد من الرحلات الطويلة داخل المدن. ومن المبهج ظهور مبادرات مشجعة هنا وهناك مثل قيام مدينة أديلايد الأسترالية بتشغيل حافلة كهربائية تعمل بالطاقة الشمسية، وغيرها.
وعلى المستوى الوطني تبذل وزارة الشؤون البلدية والقروية جهودا كبيرة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية "الموئل" HABITAT لتطوير البيئة الحضرية في 17 مدينة سعودية وفق مفهوم "مدن المستقبل" لتتمتع بمزايا من مدن المستقبل الذكية، لكن لا يزال الطريق طويلا، خاصة مع قلة المعلومات المتوافرة وتناثرها بين الجهات الحكومية، وانخفاض دقتها.
وبوجه عام، فإن المدن العربية في حاجة إلى تبني التقنية في إدارة المدن، وتوسيع شبكات النقل العام، لخفض التلوث القاتم في سمائها، وكذلك لتخفيف الازدحام المروري الخانق في معظم المدن العربية، ما يقلل من الوفيات نتيجة الحوادث وكذلك يخفف من تلوث الهواء. وينبغي تشجيع تطبيق مفهوم المدن الذكية المستدامة من خلال وضع حوافز مثل تخفيض الضرائب على المطورين العقاريين الذين يستخدمون تقنيات مستدامة تخفض الانبعاثات الملوثة للهواء، وتشجيع استخدام الطاقة النظيفة، خاصة الشمسية في المنازل وشبكات النقل.

إنشرها