قل لي ما قطاعك .. أقل لك من أنت

|

إن من أحد أهم وأخطر القرارات على الشركات تحديد استراتيجيتها وتحديد القطاع أو القطاعات التي ترى أنها تستطيع المنافسة فيها، فحتى تحديد سوق أو قطاع معين قد لا يكفي فهنالك قطاعات أصغر وأكثر تحديدا خصوصا إذا أخذناها على المستوى العمودي أو سلاسل القيمة، وكل قطاع له حجم وهامش ربح، في الغالب العلاقة بينهما عكسية، بمعنى كلما زاد حجم السوق من ناحية المبيعات كان هامش الربح أقل، وكلما قل حجم السوق زاد هامش الربح، وذلك يعود إما للتخصص والندرة أو المعرفة أو لقلة المنافسين لعدم كبر السوق.
سأستعرض في هذا المقال مثالا لسوق تتطور اليوم بشكل سريع، وكيف أن التقسيمات القطاعية مهمة وتجب دراستها قبل الدخول في السوق بشكل عام، السوق التي سأستعرضها هي سوق السيارات الكهربائية، التي تعد اليوم إحدى الأسواق الواعدة التي ما زالت تتطور تقنياتها بشكل ملحوظ وكلنا عايشنا بدايتها وما زلنا نعيش تطوراتها. سأقوم بالاعتماد على أرقام نشرتها شركة Bain & Company لهذا القطاع عام 2011 تخص السوق الأوروبية بالتحديد، رغم أنها ليست حديثة تماما لكن ستعطينا فكرة عن كيفية أن هذه السوق المحدودة مقسمة عموديا حسب حجم السوق لكل قطاع وهامش الربح.
سأبدأ من الأعلى والأكبر بحجم المبيعات "حجم السوق" نزولا إلى الأصغر منها:
1 - قطاع إنتاج السيارات: بكل تأكيد سيكون هو القطاع الأكبر من حيث حجم المبيعات، حيث يستحوذ على ما بين 30 في المائة و40 في المائة من حجم سوق السيارات الكهربائية، وهو الأعلى بحجم الاستثمارات، لكن هو الأقل في هوامش الربحية حيث تصل إلى أقل من 5 في المائة.
2 - صناعة البطاريات: تحتل صناعة البطاريات الكهربائية المرتبة الثانية من ناحية حجم السوق، وقد تصل إلى 15 في المائة من حجم السوق لكن بهامش ربح أفضل من إنتاج السيارات الذي قد يصل إلى 7 في المائة وهي من القطاعات المتوقع ارتفاع أرباحها مستقبلا.
3 - التوزيع: ويقصد به موزعو السيارات أو الوكلاء حيث لديهم حصة سوقية تقارب 10 في المائة وهامش ربح أعلى بقليل من المصنعين.
4 - قطاع الصيانة: تصل الهوامش لهذا القطاع إلى نحو 5 في المائة وهي قريبة من هوامش قطاع الإنتاج وبحجم سوق جيدة لكن التوقعات تشير إلى انخفاض هوامش أرباحها مستقبلا.
5 - نقاط الشحن: يشمل هذا القطاع الشحن العام والخاص، حيث توجد نقاط شحن في الشوارع بتكلفة معينة، وهنالك نقاط شحن خاصة لدى بعض الأسواق والمتاجر كعامل جذب لزبائنها وكذلك بتكلفة محددة، وترتفع هنا هوامش الربحية إلى نحو 8 في المائة.
6 - قطاع التمويل: ويقصد به تمويل شراء السيارات والبطاريات وهنا تقوم الشركات بتوفير التسهيلات لعملائها لشراء السيارات أو البطاريات حيث إن تكاليفها ما زالت مرتفعة، ويرتفع هامش هذا القطاع إلى أكثر من 10 في المائة.
7 - قطاع الخدمات الإضافية: يقصد بها تقديم خدمات إضافية للسيارة مثل أنظمة الملاحة أو أنظمة الترفيه أو تقديم خدمات الفحص عن بعد، وغيرها وهذا القطاع صغير لكنه يتمتع بربحية عالية تصل إلى 15 في المائة.
8 - قطاع إدارة الطاقة: ويقصد بها التقنيات التي تدير ما بين مصادر الطاقة والشبكة والسيارة وتخزين الفائض من الطاقة فيها، وهي سوق صغيرة جدا لكنها متخصصة وعالية الربحية، وفي المقابل تتجاوز أرباحها 20 في المائة.
9 - قطاع إنتاج الطاقة: وهي مصادر الطاقة الرئيسة التي تزود نقاط الشحن وغيرها بالطاقة، وهي هنا تتمتع بهامش جيد لكن حجمها صغير من مبيعات السوق بشكل كامل.
هذا الشرح يوضح كيف أن سوقا ما زالت تتطور وتعد بمقاييس الأسواق صغيرة جدا "مقارنة بسوق السيارات التقليدية حيث تمثل أقل من 1 في المائة من سوق السيارات في العالم" مقسمة إلى هذه الدرجة وتحمل فرصا مختلفة وهوامش متباينة، وهذا يعطينا انطباعا عن قوة وحجم انقسام الأسواق الأخرى حسب سلسلة الإمداد والقيمة على أساس رأسي، فمثلا سوق الأغذية مقسمة إلى أقسام كثيرة جدا، منها قسم المطاعم الذي بدوره مقسم إلى عدة أقسام منها الوجبات السريعة وهذا مقسم كذلك إلى عدة أقسام منها مثلا توصيل الطعام وهكذا. حينما تلعب شركة في سوق معينة يجب أن تدرس كل القطاعات الرأسية في سوقها وتعرف أين مصادر القوة لدى كل منها وحجمها وحجم هوامش الربحية وتحدد هل هي في الموقع الصحيح أم لا؟ هل هي تتمتع بالهوامش نفسها التي لدى قطاعها أم لا؟ وأين الفرص في المستقبل؟ هل تحتاج إلى أن تعدل في استراتيجيتها وتنتقل من قطاع فرعي إلى قطاع آخر؟ أم هل من الأسهل أن تستحوذ على شركة في إحدى سلاسل القيمة في قطاعها؟
هذه أسئلة مهمة جدا، ويجب عمل مراجعة لها لدى مجالس الإدارات بشكل دوري لمعرفة موقع الشركة التنافسي وموقعها مستقبلا وهل هي في المسار الصحيح أم لا؟ وهل هي في السوق المناسبة؟

إنشرها