أفيون الأسواق

لطالما كانت السياسات النقدية التوسعية التقليدية بوابة للنمو والازدهار الاقتصادي كخفض سعر الفائدة بهدف تحفيز الشركات على زيادة الاستثمار وتمكين المستهلكين من الأموال لزيادة الإنفاق الاستهلاكي؛ حيث كانت من أهم الأدوات التي تستخدم في الاقتصاد الحديث لحل المشكلات الاقتصادية في الدول المتقدمة.
في عام 2008 شهد العالم تحولات اقتصادية صعبة عصفت بمصارف ومؤسسات مالية كبرى في الولايات المتحدة الأمريكية وأدت إلى أزمة مالية عالمية في جميع الاقتصادات المنفتحة على الاقتصاد الأمريكي، وتأثرت الدول المرتبطة بالأسواق الأمريكية بشكل مباشر كالدول الأوروبية واليابان، أما دول الخليج فدخلت في حالة الركود بعد انخفاض أسعار النفط وأسعار عقارات دبي ولم تدخل دول الخليج في الأزمة بشكل مباشر، إلا وبالفعل دخل الاقتصاد الأمريكي والدول التي ترتبط به في حالة انكماش أو ركود اقتصادي بحسب حجم الانفتاح على الأسواق الأمريكية.
تشير تقارير صندوق النقد الدولي إلى أن 30 في المائة من الأزمات المالية يقف خلفها العقار كعنصر من أهم عناصر الأزمات المالية؛ حيث كانت الأزمة المالية العالمية 2008 أزمة رهن عقاري؛ ناتجة عن عدم كفاءة المشترين المالية وزيادة معدلات الفائدة المتصاعدة عليهم إضافة إلى الهندسة المالية للمشتقات التي تم استخدامها في الترويج للصناديق العقارية التي أدت إلى انهيار مالي في أقوى اقتصاد عالمي.
وأصبح الاقتصاد الأمريكي في أزمة ركود؛ لذا قرر قادة الاقتصاد الأمريكي تنفيذ حملة شراء موسع للأصول large-scale asset purchases كأوراق مالية مدعومة برهن عقاري ذات مخاطر عالية عن طريق أموال البنك المركزي ويصبح البنك المركزي حاملا للأصول المالية ويدفع بالنقد إلى الأسواق لتخفيف آثار الأزمة، وكلها تتم عن طريق توسيع الميزانية العمومية للبنك المركزي رقميا أو ما يعرف بطباعة النقود.
طبق الاقتصاد الياباني السياسات النقدية التوسعية «التيسير الكمي» وفق مسميات مختلفة بهدف دعم الشركات والمستهلكين بالأموال لتحقيق النمو الاقتصادي قبل الاقتصادات الغربية.
على أي حال ما زال اقتصاد الدول المتقدمة واقع في كماشة التيسير الكمي الذي أغرق الأسواق دون أن يرفع معدلات النمو بشكل طبيعي وغير مصطنع.
إغراق الأسواق بالأموال يؤثر في الأسواق المالية ولا يظهر أثره في الاقتصاد الفعلي كزيادة معدلات النمو الاقتصادي وزيادة معدلات التوظيف وزيادة الأصول الإنتاجية والرأسمالية غير أنه يجعل البورصات تعيش واقعا يختلف عن الواقع الفعلي والإنتاجي للاقتصاد.
وأعتقد أن الأموال الرخيصة عبر التيسير الكمي نافعة للاقتصاد لكن بشروط، أن تؤدي تلك الأموال إلى زيادة الإنتاج الحقيقي وزيادة معروض السلع والخدمات وتناقص قيم العقارات التي توجد الفقاعات العقارية، مع ضرورة تناقص الاقتصاد الافتراضي كالمشتقات المالية التي تصنع لنا ملاك ثروات من الهواء وتجلب الأزمات المالية؛ لذا سيظل التيسير الكمي أفيونا للبورصات والأسواق ما لم يكن هناك تنمية اقتصادية حقيقية تماثل ما يقوم به الصينيون.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي