معالجة الإنفاق لتحقيق أهداف التنمية المستدامة
كيف يمكن معالجة هذا التحدي الجسيم، وهو أمر ضروري لرفاهية أجيال مستقبلية كاملة؟
علينا جميعا بذل جهد متضافر في هذا الخصوص، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة للبلدان المنفردة، وكذلك المنظمات الدولية، والجهات المانحة الرسمية، والمنخرطين في العمل الخيري والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
وكخطوة ضرورية أولى، يتعين على البلدان النامية منخفضة الدخل، أن تتحمل مسؤوليتها في تحقيق هذه الأهداف. وينبغي أن تركز جهود البلدان على تعزيز إدارة الاقتصاد الكلي، وزيادة الطاقة الضريبية، ومعالجة أوجه عدم الكفاءة في الإنفاق، والتصدي للفساد الذي يقوض النمو الاحتوائي، وتحسين بيئات الأعمال؛ حيث يمكن أن يزدهر القطاع الخاص. وسيؤدي اتخاذ إجراءات في هذه المجالات إلى دعم النمو، الذي يشكل عاملا جوهريا للتقدم نحو أهداف التنمية المستدامة، وسيعمل الصندوق عن كثب مع البلدان الأعضاء لدعم جدول الأعمال الإصلاحي هذا.
ثانيا، أمام تلك البلدان فرصة كبيرة لزيادة الإيرادات الضريبية. فرفع الضرائب بمقدار خمس نقاط مئوية من إجمالي الناتج المحلي يعتبر هدفا طموحا ومنطقيا في الوقت نفسه بالنسبة لعدد كبير منها. وسيتطلب هذا إصلاحات قوية على المستوى الإداري وعلى صعيد السياسات؛ حيث يمكن للصندوق وغيره من شركاء التنمية المساهمة بدور داعم رئيس.
وقد تكون زيادة الإيرادات الضريبية بهذا المقدار كافية لتقريب أهداف التنمية المستدامة بالنسبة لاقتصادات أسواق صاعدة مثل إندونيسيا، لكنه لن يكفي لسد احتياجات التمويل في معظم البلدان النامية منخفضة الدخل، بما فيها بنن.
فإلى جانب تحسين استخدام الموارد الموجودة، ستحتاج هذه البلدان إلى دعم مالي من الجهات المانحة الثنائية والمؤسسات المالية الدولية والمنخرطين في العمل الخيري، وكذلك من مستثمري القطاع الخاص. ويمكن لهؤلاء المستثمرين تقديم مساهمة مهمة في قطاعات مثل البنية التحتية والطاقة النظيفة إذا أجريت الإصلاحات اللازمة لتحسين مناخ الأعمال. والواقع أن الهدف الدقيق لمبادرات مثل "الميثاق العالمي مع إفريقيا" هو تشجيع استثمارات القطاع الخاص الداعمة للتنمية الوطنية.
ويمكن الحصول على تمويل إضافي أيضا من خلال الأسواق المالية الدولية وجهات الإقراض الدولية. وبوجه عام، فإن الاقتراض بشروط تجارية يصبح سلاحا ذا حدين إذا لم يُستخدم التمويل في مشروعات عالية العائد. وكما أكد الصندوق في السنوات الأخيرة، هناك تزايد في أعباء الديون: حتى إن 40 في المائة من البلدان النامية منخفضة الدخل تم تقييمها حاليا من جانب الصندوق والبنك الدولي بأنها أصبحت إما في خطر كبير يهدد ببلوغها مرحلة المديونية الحرجة، وإما أنها بلغت هذه المرحلة بالفعل، الأمر الذي سيؤدي إلى اضطراب كبير في نمو النشاط الاقتصادي والتوظيف، الذي يتوقف عليه التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ولا تزال المساعدات الخارجية ضرورية لدعم جهود التنمية في البلدان الأفقر، ويفضل أن تكون في شكل منح. ويمكن للاقتصادات المتقدمة أن تفعل المزيد، بما في ذلك التحرك نحو هدف المساعدات الإنمائية الرسمية البالغ 0.7 في المائة من إجمالي الدخل القومي، ويمكنها أيضا تحسين توجيه ميزانياتها المخصصة للمساعدات؛ حيث تدعم البلدان الأشد احتياجا لها. إن أوضاع الميزانية مضغوطة في كثير من الاقتصادات المتقدمة، لكن المساعدات الموجهة بدقة تحقق عائدا اقتصاديا بالغ الارتفاع، من حيث تخفيض الفقر، وإيجاد الوظائف، وتحسين الأمن والاستقرار.
ليس بالإنفاق فقط
لكن التحديات لا تقف عند زيادة مصروفات التنمية.
يوضح مثال إندونيسيا أن التنمية والنمو الاقتصادي يعزز كل منهما الآخر. ومن أهم الجوانب في التحدي الأوسع نطاقا هو البيئة التي تسعى فيها البلدان إلى تحقيق نمو مستقر والمحافظة عليه. ويتطلب هذا مجموعة متنوعة من السلع العامة العالمية، بما في ذلك الاستقرار الجغرافي - السياسي، والتجارة المفتوحة، ومبادرات المناخ، إضافة إلى الحوكمة الرشيدة، التي تعتمد على معالجة الفساد في جانبي العرض والطلب. وتشدد هذه الركائز المهمة للتنمية على ضرورة العمل المشترك من جانب كل الأطراف المعنية؛ حتى تتحقق أهداف التنمية المستدامة.
ذات مرة، قال كوفي عنان، الذي لا نزال نشعر بالحزن منذ أن وافته المنية أخيرا: "لدينا موارد لحل مشكلاتنا، ولدينا القدرة على التعامل معها، إن استطعنا إيجاد الإرادة السياسية". ويصدق هذا على كل البنود في جدول أعمال أهداف التنمية المستدامة. فلنستجمع هذه الإرادة السياسية حتى نمنح كل أطفالنا فرصة مستحقة.