تقنين الأوقاف (3)

أعود لنقطة مهمة ناقشني فيها كثير من الإخوة حين امتدحت من يعملون في بناء الأوقاف خارج المملكة، خصوصا المساجد. يرى كثيرون أن هناك مواقع داخل المملكة بحاجة إلى المساجد ويفترض أن نركز عليها قبل التوجه للبناء في الخارج.
وجهة نظر مهمة وقيمة وهي محل احترامي، لكنها تحتاج إلى مراجعة لتقرير دقة ما فيها. صحيح أن هناك قرى بعيدة عن نظر كثير من المتبرعين والدعاة، لكن هذه القرى والتجمعات يمكن أن تحصل على مرادها خلال فترة لا تتجاوز الأشهر. هناك كثير من رجال الأعمال وممثلي جمعيات النفع العام والدعاة الذين يبحثون عن مواقع لإقامة المساجد والجوامع، كما تنشط جمعيات في مراكز بعيدة عن المدن الكبرى بجمع التبرعات وبناء الأوقاف.
الجهود كثيرة ولكنها مبعثرة تبحث عمن ينظمها ويحقق الفائدة الأكبر منها. هنا لا بد أن تقوم وزارة الأوقاف بإنشاء خريطة تفاعلية رقمية يمكن من خلالها التعرف على المواقع الأكثر حاجة إلى الأوقاف والمساجد، بناء على المسافة والتعداد السكاني وغيرها من الاعتبارات.
هذه الخريطة يمكن أن تعين الراغبين في إيجاد المواقع الأكثر حاجة، كما توفر قاعدة تبني عليها الوزارة قراراتها في المشاريع المستقبلية. أتوقع أن يكتشف الجميع من خلال هذه الخريطة أن هناك أعدادا تفوق الاحتياج من المساجد ولكن التوزيع غير العلمي هو ما يسبب حاجة مواقع كثيرة بعيدة عن نظر العاملين في المجال الخيري والراغبين فيه.
حديثي عن الأوقاف حديث عن حاضر ومستقبل الدين. الأوقاف عنصر مهم في حماية سمعة الإسلام والدعوة إليه، وإن لم نعط هذه الجزئية الاهتمام الذي تستحقه فنحن مرشحون للمزيد من سوء الفهم الذي يستغله الآخرون للإساءة إلى الدين الحنيف.
كما أن الأوقاف تعطي الصورة للدين برمته من خلال الاهتمام بنظافتها وترتيبها وتأثيثها، والسلوك الذي يتبناه العاملون فيها، ويكفي أنك تذهب إلى دول كثيرة فتلاحظ كم العناية بالأوقاف وما تزرعه في المجتمع من حسن التعامل والمحبة والتعاون.
أطلت في الموضوع لشعوري بأهميته المصيرية بالنسبة لمستقبل الدين ومستقبلنا كمسلمين في عالم نرى فيه الاتهامات تنهال على الدين والمنتمين إليه من كل حدب وصوب، ونرى أن كثيرين من أعدائنا يستخدمون سلوكنا وما يحدث في المراكز الإسلامية للإساءة للكل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي