التوطين المحوري في المشاريع العملاقة

تعطي مخططات وزارة النقل في المملكة الخاصة بتوطين الصناعات والكوادر البشرية في مشاريع النقل العملاقة، زخما آخر للأداء الاقتصادي العام في السعودية، وهو زخم مطلوب الآن أكثر من أي وقت آخر، كما أنه يدفع عمليات التوطين بشكل عام إلى الأمام، خصوصاً في ظل "الورشة" الاستراتيجية الهائلة التي تشهدها المملكة منذ أعوام عدة، التي تسير وفق المخطط الموضوع لها، على الرغم من المتغيرات الاقتصادية على الساحة. والتوطين (بتوصيفه العام) ليس إلا رافدا من روافد التنمية المستدامة؛ بل إنه يمثل "قطاعا" رئيسا على صعيد الاقتصاد الكلي. فلا يمكن الاعتماد إلى ما لا نهاية في الحراك الاقتصادي على عناصر غير محلية، على الرغم من أهميتها في فترة زمنية معينة.
ومشاريع النقل العملاقة في المملكة لها روابطها الاستثمارية والإنتاجية الكثيرة، الأمر الذي يوفر فرصا واعدة للعنصر الوطني، سواء المستثمر أو ذاك الذي يدخل ضمن نطاق الكادر الوظيفي. وكلما كان للسعوديين دور أساسي في تنفيذ مشاريع هذا القطاع، اكتملت الصورة العامة للاقتصاد الوطني. وهذا في النهاية لا يؤثر سلبا في ضرورة وجود الخبرات الأجنبية في هذه المرحلة بالذات، خصوصا أن هذا القطاع الهائل يمر بمرحلة التكوين والإنشاء، ويمثل في المستقبل محورا رئيسا للاقتصاد.. لماذا؟ لأن مشاريع النقل العملاقة، تختص بالخدمات والتصدير وإعادة التصدير ونقل المنتجات المحلية، وتلك الآتية من الخارج، إلى جانب الجهة الأخرى منه، في مجال نقل الركاب والشحن الخاص وغير ذلك مما يرتبط بالنقل بصفته العامة.
وإذا كان حرص وزارة النقل يختص بدفع دور السعوديين في عمليات التنفيذ، فإنه يشمل أيضا جانبا لا يقل أهمية، يتعلق باستخدام المنتجات المصنوعة محليا. وهذه النقطة الأخيرة تمثل نقلة نوعية على صعيد التوطين بشكل عام، فضلا عن أنها تشجع الحراك الإنتاجي المحلي بما يتماشى مع متطلبات السوق. دون أن ننسى أن كل هذا يدخل ضمن نطاق الخطة التنموية السعودية الكبرى، التي تشمل كل شيء تقريبا. وإذا ما حصل السعوديون على حصة مهمة في مشاريع النقل العملاقة، فإن ذلك سيدعم الاقتصاد المحلي، وفي الوقت نفسه سيبقي حركة المال الاستثماري ضمن النطاق الوطني، وهو أمر يحتاج إليه أي بلد في العالم، ويحرص عليه. فتشجيع المنتج والكادر المحلي، هو في حد ذاته استثمار وطني خالص.
في الآونة الأخيرة، قدمت شركات سعودية وأجنبية عروضاً عن خدماتها اللوجستية المساندة لقطاع النقل، وتوريدات وصناعات ذات علاقة. وفي السنوات القليلة الماضية، حققت الشركات السعودية قفزات لافتة في هذا المجال، ويرى عدد من المختصين، أنها تستطيع المنافسة مع الشركات الأجنبية، فضلا عن أن عروضها تكون عادة أقل تكلفة للجهات المانحة للمشاريع. لا أحد يطلب عنصرا محليا لمجرد أنه محلي، بل ينبغي أن يكون على مستوى من التنافسية التي تكفل له الفوز في هذا المشروع أو ذلك. ويمكن للشركات السعودية أن تحقق الفارق المطلوب، خصوصا أنها تلتزم بأعلى المعايير، مع ضرورة الإشارة إلى أن هناك قطاعات كثيرة مساندة يمكن للمنتج السعودي أن يكون بجودة المنتج الأجنبي نفسه؛ أي أنها لا تختص فقط بالنواحي الكبرى المباشرة في مشاريع النقل العملاقة.
وفي النهاية، يشكل التوطين هدفا بحد ذاته على كل الأصعدة، بما في ذلك التوظيف. والمرحلة الراهنة بمعطياتها الاقتصادية الإقليمية والدولية، تتطلب بالفعل تسريع الوتيرة في اتجاه التوطين الإنتاجي والوظيفي، وجعل المشاريع العملاقة كلها أكثر محلية، من ناحية التنفيذ كما هي من جهة النتائج والعوائد المرجوة منها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي