القيادات المصرفية .. البعد الاجتماعي
أتى تغير مجلس إدارة مصرف الراجحي ليحمل مدلولات رمزية مهمة في إدارة القطاع المصرفي في المملكة؛ إذ بدا التغيير وكأنه يصب في اتجاه عام. أكبر خمسة مصارف (تشكل نحو 85 في المائة من القطاع المصرفي في المملكة من ناحية رأس المال أو النشاط المصرفي) تتميز بتأثير حكومي مباشر وقوي بسبب الملكية (ليست أغلبية عدا الأهلي)، ولكن الدور الأهم يأتي من خلال تعيين أو قبول شخصية تقوم بدور فريد أقرب ما يكون "وكيلا" للحكومة منه، تطور طبيعي للوصول إلى المسؤولية الأعلى في المصرف. تجتمع بنوك: (الرياض والأهلي وسامبا والإنماء) والآن الراجحي بطريقة نوعية فريدة، يُتَّجَه لهذا النمط بعد تشكيل مجلس الإدارة الأخير وخروج الجيل القديم. هناك أسباب تاريخية بعضها بسبب صدفة التطورات والتوقيت، وبعضها لأسباب موضوعية في حينه، ولكن النتيجة أن القطاع أصبح في قبضة وزارة المالية، إما مباشرة وإما عن طريق مؤسسة النقد، حيث نسبة الملكية لا تتناسب مع الدور أو الاستحقاق الاقتصادي الذي يأمل في دور أعمق للقطاع الخاص. أحد مظاهر هذا الدور هو "توكيل" الإدارة إلى شخص واحد بناء على الثقة.
الثقة مصدرها اجتماعي في الجوهر، ولذلك لا بد من إعادة قراءة الوضع القيادي للمصارف من هذا المنطلق. ففي كل هذه المصارف شخصية معتمدة تعمل بمثابة "وكيل" الحكومة على البنك. هذه الشخصيات في الغالب ليست ذات خلفية مصرفية مهنيا، وإنما اكتسبت الثقة بالممارسة والرغبة الاجتماعية في الاستقرار وتعميق الروابط الاجتماعية، مما يشرح طول مدة بقاء بعضهم. ما نحن بصدده هنا ليس إصدار أي حكم على أحد، أو أي إسقاط على الممارسات المهنية للأشخاص، فالكل يقوم بما يستطيع في ظل نمط إداري اجتماعي معين ووضعية مالية مقننة. الهدف هو تسليط الضوء على إحدى الظواهر في إدارة الصناعة المصرفية كأحد أهم أركان القطاع المالي في الاقتصاد، خاصة أن اقتصاد المملكة ما زال يحاول الخروج بصعوبة بالغة من الطابع المالي إلى طابع الإنتاجية والنمو الحقيقي والتوجه التنموي العميق. ولذلك فإن دور هؤلاء لا بد أن يكون مركزا للاهتمام والرقابة. الإشارات واضحة، فلم يعد سامبا مدرسة مصرفية، مركز توليد كفاءات، ولم تتوقف الشكاوى عن الراجحي، ولم يستطع بنك الرياض نفض غبار الطابع الحكومي، ولم يرتقِ بنك الإنماء إلى الأداء المالي أو المهني، ولم يشفع الطرح العام للأهلي بشفافية أعلى. لا أعرف فيما يجمع هذه الأبعاد النموذج من القيادات ورغبتها المنطقية في البقاء، أم أن الموضوع أعمق بسبب ملكية القطاع العام، أو أن هيكل الاقتصاد إشكالية أعمق؟ لعل الإجابة أنه شيء من هذا وذاك.
دور الثقة، خاصة في الاقتصاد الريعي، مركزية، ولكن هناك محاذير ومخاطر وتكلفة على أكثر من صعيد حين تكون الإدارة بوكالة حكومية لقطاع يعمل في أغلبه في القطاع الخاص، وتأخذ السياسة العامة اقتصاديا باقتصاد السوق، فهناك تناقضات تنتهي عند شخص واحد لا يستطيع تحمل عيوب النظام، وبالتالي تعطيه الحكومة فرصة لعدم التقدم. أحد مظاهر الإدارة بالوكالة أن الوكيل سرعان ما يجد وكلاء معتمدين ودائرة ضيقة منهم. تأخذ هذه أشكالا مختلفة، فمنهم من يحجم دور المدير العام وغيره، ومنهم من يستعين بعناصر أجنبية مباشرة، والبعض أقل شفافية في الاعتماد على العناصر الأجنبية. النتيجة أن القطاع يصبح مهنيا مغلقا، بينما القطاع العام على درجة من الاطمئنان دون تمحيص مهني، خاصة في الناحية البشرية الحاسمة في قطاع خدمي. ولكن دور الفرد المركزي لا يقف هنا، حيث يصبح الولاء للوكيل العام أهم من الولاء للمهنة، بما يحمل ذلك من مخاطر مالية ونتائج كبيرة في تطوير الطاقات البشرية. إشكالية الإدارة المبنية على الثقة أن الجميع يصبح شريكا في المحافظة على عدم تحريك أي شيء، بما في ذلك السكوت عن المقصر أو العيوب، والأمل أن يستمر الوكيل أطول مدة ممكنة؛ نظرا لترابط المصالح النفعية. هذا النمط قد يريح القائمين على القطاع العام، ولكنه لا يخدم المنافسة والإنتاجية، وبالتالي ضرره أكثر من نفعه. في الأخير، الرغبة الحقيقية في التقدم أحد الخيارات فقط.