النفط .. حالة من التشبع ومرحلة غموض

بعد اجتماع دول منظمة "أوبك"، من الواضح تماما أن مشكلة انخفاض أسعار النفط غير دقيقة الملامح بعد، وما زالت دول "أوبك" منقسمة حول نفسها فيما يتعلق بالأسباب الرئيسة التي تسببت في تراجع الأسعار بهذه السرعة، في الوقت الذي بنت فيه معظم الدول خططها على استقرار الأسعار عند حدود 80 دولارا، ويبدو أن الخلاف تجاوز قضية الأسباب إلى قضية الاستقرار نفسها، فما السعر الجديد لتوازن السوق، ومن المحرك الرئيس لهذا التوازن؟
"أوبك" لم تتفق على تعديل مستوى الإنتاج، وهذا في حد ذاته دليل كافٍ على أن معظم دول "أوبك" ترى التراجع الحالي مؤقتاً وليس سعر التوازن، ولذلك فإنها تسعى إلى المحافظة على الحصص بدلاً عن الأسعار، ذلك أن أي خلل الآن في مستويات الحصص سيصعب تعديله فيما لو عاودت الأسعار ارتفاعها، واستطاعت دول أخرى من خارج "أوبك" أن تزيد من حصصها على حساب دول "أوبك"، وهذا منطقي إلى أبعد حد، خاصة أن دولاً كبرى في عالم إنتاج النفط تقع خارج منظومة "أوبك". لا تريد دول "أوبك" القيام بمغامرة من جانب واحد للمحافظة على الأسعار، وبهذا نفهم من تصريح وزير البترول السعودي، أن القضية عرض وطلب، وأن التدخل في هذه الآلية حاليا ليس في مصلحة السوق، وأن دور المملكة ودول "أوبك" هو المحافظة على مصالح جميع الأطراف، والحفاظ على سوق ذات آليات صحية يمكن قراءتها والتعامل معها.
البعض يرى أن مشكلة الأسعار تتعلق بارتفاع الإنتاج من النفط الصخري، وهذا له دليل ملموس من واقع السوق العالمية، خاصة الطلب من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، لكن من المعروف أن النفط الصخري مكلف، ولهذا كانت هناك فرضية سائدة طوال فترة ارتفاع الأسعار نهاية العقد الماضي وبداية العقد الحالي، تقول إن زمن النفط الرخيص قد انتهى، لهذا فإن من يتمسك بهذه الفرضية يعتقد أن ما يحصل الآن للأسعار هو تصحيح جزئي؛ كي تمتص فائض السعر الذي نتج عن دخول النفط الصخري، لكن ذلك لن يعود بالأسعار إلى ما قبل عام 2003، وهذا أيضا يجعل الدخول في مغامرة لتعديل الحصص أمرا غير محمود، ونتائجه غير مضمونة.
هناك ادعاءات بأن ما يحدث في السوق هو نتيجة حرب أسعار، وهذا يعود إلى الاعتقاد بأن الدول الكبرى المصدرة للنفط تعمل على تخفيض الأسعار حتى تتمكن من إحراج وإخراج صغار المنتجين، وأيضا للعمل على تعطيل مشاريع النفط الصخري في العالم، ولذلك فإن من يرون ذلك يعتقدون أن عدم تعديل الحصص في هذا الوقت يصب في هذا الجانب، ويطالبون بتعديل الحصص فورا قبل أن تتضرر هياكل هذه الصناعة، حتى تعود السوق إلى وضعها الطبيعي، ومن ثم ترك آليات العرض والطلب تعمل، من جانب آخر يرى البعض أن الأوضاع السياسية هي التي تحدد الأسعار الحالية وليست آليات السوق، وأنه يجب التوقف عن تسييس السوق النفطية، لكن مثل هذه الادعاءات لم تجد لها حتى الآن دليلا ملموسا من الواقع، ولا يمكن أن تتخذ دولة ما خطوات أحادية الجانب تؤثر في سوق عالمية بهذا الشكل، ومع ذلك تقف باقي دول العالم دون أن تعلن صراحة عن مثل هذه السياسات وهذه الحرب التجارية.
الحقيقة أن اجتماع "أوبك" الذي انتهى إلى عدم تعديل الحصص والإنتاج، يشير إلى أمرين، أولهما أن السوق النفطية تتحكم فيها قوى العرض والطلب فعلا، ولهذا فهي تمر بمرحلة غموض، وليس لدى جهة معينة سبب واضح لتراجع الأسعار، ولا يملك أحد الإجابة عن أسعار التوازن الجديدة التي تستهدفها السوق، أو (وهذا هو الأمر الآخر) أن السوق تمر بحالة مؤقتة من التشبع في جانب العرض، وذلك نظرا لتراجع أداء الكثير من الاقتصادات العالمية، وقدرة الولايات المتحدة على إنتاج النفط الصخري، لكن هذه حالة مؤقتة وستعود الأسعار إلى طبيعتها التي تعكس واقع العرض والطلب. وفي كلتا الحالتين فإن الخطوة التي اتخذتها دول "أوبك" وتمسكت بها المملكة من عدم المجازفة بتعديل سقف الإنتاج هو القرار الصحيح في مثل هذه الظروف.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي