منتهى الاستهتار
يظن كثيرون أن قوانين الغرب التي توقع غرامات عالية جدا على مخالفات مؤسسات الدولة أو شركات القطاع الخاص، هي من قبيل تمكين من يريد الاستغلال أن يفعل ذلك. لكن الواقع أن تلك الغرامات مصدرها الأهم هو حقوق الإنسان، وغايتها النهائية هي منع التجاوز على حقوق الناس وحرياتهم. هي تجسد حماية الضعفاء من جور وبطش الأقوياء.
اشتهرت قضايا كثيرة خسرت فيها الشركات مبالغ كبيرة، بل إن بعض الشركات أفلست نتيجة قضايا الحق الخاص التي نتج عنها تكليف الشركة بالتعويض عن الأضرار الناجمة عن سلوكها أو منتجاتها أو خدماتها.
أنتج هذا الحال مجالا خصبا لوظائف المحاماة التي تعتبر أعلى الوظائف دخلا في تلك الدول، وبرع كثيرون من متخصصي المطالبة بالتعويضات، وهو ما جعل الأقسام القانونية في الشركات والدولة في حالة من اليقظة والمراقبة والسيطرة.
يدعي البعض أن ذلك أدى إلى الحد من التجارب والتطوير في مجالات كثيرة خصوصا ما يتعلق بالصحة والمكتشفات الطبية واستخدام التقنيات التي تؤثر في البيئة، لكنها في واقع الأمر كبحت من جموح الشركات التي يهمها المكسب المادي، ولا تعتني بالآثار العكسية لمكتشفاتها أو منتجاتها. شركات التبغ وشركات الأدوية من أوضح الأمثلة على التكاليف الباهظة لعمليات الحماية القانونية من قضايا التعويضات.
تخيلوا أن الشركات تستطيع أن تنتج وتوزع أي مادة علاجية لأي مرض دون الحصول على ترخيص لها من جهات صحية معتمدة، سيكون الأمر كارثيا بلا شك.
هنا تتضح أهمية الإنسان وضرورة أن يحمى من تسلط وجبروت من يستطيعون أن يسيطروا على السوق ويرغموه على أن يعيش بالطريقة التي يرونها مناسبة له. هذا هو ما أنهى عصور الإقطاع وأعاد التوازن للحياة المدنية في القرون الحديثة.
قارنوا بين ذلك وبين قيام شركة حصلت على إذن بإزالة مبنى بتنفيذ العملية في منتصف النهار، والسيارات تعبر أمام البناية والناس لا يعلمون بأن هناك خطرا ينتظرهم وسط الشارع، ذلك لعمري أكبر استهتار بالأرواح، ودليل على أن المسؤول عن العملية لا يقيم وزناً للجهات الرقابية ولا يعتقد أنها ستعاقبه.
الأغرب من ذلك هو أن الإزالة تمت ولا وجود لمراقبين من الجهات الحكومية ذات العلاقة، فمن المسؤول؟