«ستاد» .. إمبراطورية بأجندات سرية
في إيران لا يمتلك ''مرشد الثورة'' القرار السياسي النهائي القاطع غير القابل للمراجعة والنقاش فقط، بل يمتلك في الواقع موارد العيش، وقراره فيها حاسمٌ ونهائي أيضاً! وعلى هذا الأساس، لا توجد في إيران مؤسسات من تلك التي تقوم عليها الأنظمة. والمؤسسات الإيرانية، شكلية صوتية، مهما أجهدت نفسها في حراك هنا وآخر هناك، بمناسبة أو دونها. لماذا؟ لأن ناتجها في النهاية مرتبط بمزاج وقناعات''المرشد''! فـ ''لاؤه'' و''نعمه'' هما ''العملتان'' الوحيدتان القابلتان للصرف على كل شيء. لا بأس من حراك مؤسساتي لتجميل المشهد فقط، خصوصاً في ظل اضمحلال هذا النوع من الأنظمة، التي كانت منتشرة في بعض مناطق العالم في القرون الماضية. و''المرشد'' يضع هذا الحراك، ضمن الاستهلاك المحلي، ولا بأس إن وُجد مَن يستهلكه خارجياً. انتخابات، تيارات سياسية، معتدلون، محافظون، إصلاحيون، معممون، مدنيون.. كل ذلك يعزّز المشهد الذي يريده ''المرشد''. وكل هذا في الواقع، ليس مهماً أمام قرار لا نقاش فيه.
ما تم كشفه عن سيطرة علي خامنئي على إمبراطورية مالية واقتصادية تقدر قيمتها بـ 95 مليار دولار أمريكي، ليس صادماً. فالأنظمة المارقة تتبع الأسلوب نفسه. فقد ابتكر طاغية ليبيا معمر القذافي حساباً مالياً هائلاً أطلق عليه ''الحساب المجنب''، يستولي فيه على حصة غير معلنة من عوائد النفط، وكذلك الأمر مع الطاغية السوري حافظ الأسد وابنه بشار، اللذين لم يُدخلا العوائد النفطية في الموازنة العامة على الإطلاق! كما فعل صدام حسين الشيء نفسه. وهناك أنظمة سابقة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، كانت تمضي في الطريق نفسه. وما قام به خامنئي، أنه اتبع أيضاً أسلوب شاه إيران السابق نفسه، في جمع جزء كبير من هذه الأموال التي يسيطر عليها، والتي لا يعلم حقيقتها سوى عدد قليل من الدائرة الخاصّة جداً. فقد مارس ما يُعرف بـ ''نزع الملكية''، من أراض وممتلكات مختلفة، وحتى مصانع ومؤسسات وأعمال وغيرها.
لا يحق لرئيس الجمهورية نفسه الاقتراب من الإمبراطورية المالية هذه، وبالطبع يحرم على الحكومة والبرلمان وغيرهما من ممثلي الشعب، حتى الطلب بالاطلاع عليها، فكيف الحال بالمشاركة في القرارات التي تخصها؟! والإمبراطورية التي يطلق عليها اسم ''ستاد''، تضمن لـ ''المرشد'' قوة هائلة، وفي الوقت نفسه حرية لا حدود لها في التصرف بمواردها وموجوداتها. فلا غرابة هنا، من مواصلة ''على سبيل المثال'' إمداد نظام بشار الأسد بالأموال والعتاد والمحروقات والمرتزقة وغيرها، في الوقت الذي تعيش فيه إيران تحت حصار اقتصادي غربي لا مثيل له من حيث قوته وضرباته. وكذلك الأمر بالإنفاق على العصابات التي تنفذ أجندة الخراب الإيرانية في كل مكان تصل إليه. وهذا الإنفاق، سبق من حيث الأفضلية الإنفاق على التنمية الاقتصادية المحلية، وسبق واجب تخفيف الخناق المعيشي على الإيرانيين أنفسهم!
''ستاد'' التي تعمل في كل القطاعات من المصارف إلى محال الصرافة والزراعة وشركات التأمين ومحطات الكهرباء والأسمنت والسمسرة، وحتى المشروبات الغازية وغيرها، ليست سوى مصدر مستقل لعلي خامنئي، يمنحه مزيداً من القوة على بسط نفوذه. لقد اعتبر مقرّبون من النظام الإيراني، أن خامنئي يكاد يكون أقوى حتى من الخميني نفسه. ولعل من أهم النقاط هنا، أن ''ستاد'' ظلت خارج نطاق العقوبات الغربية المفروضة على إيران، لأنها تعتمد شكلاً معقداً جداً من العمل، وتتبع أساليب عجزت حتى الدول الغربية بكل قدراتها الاستخباراتية على تفكيكها أو تحديد مفاصلها. إنها عمليات سرية على طريقة عمل العصابات، وليس وفق ممارسات الدول.
قد تكون قيمة ''ستاد'' أكبر مما قدّره المتابعون، فهذا النوع من الإمبراطوريات المالية، يكتسب قوته من سريته، وغالباً ما تكون الأجندات التي تنفذ بموارده، تخريبية. والسرية هذه ليست بفعل العقوبات لتجنبها، بل من فرط استراتيجية إيرانية لا تمضي قدماً إلا بجودة سريتها.