جنيف من غير العرب

جون كيري ونظراؤه الغربيون فاجأوا العالم بالذهاب إلى جنيف للتفاوض مع إيران، ليثبتوا جدية الغرب في التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني. من الممكن أن تتوصل الأطراف إلى اتفاق يغيّر ملامح المنطقة، ويعيد ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط، ومن الممكن أن ينتهي الاجتماع من دون نتائج. كل شيء ممكن، وخصوصا في ظل التخبط الداخلي في إيران وزيادة الطمع الغربي في رسم اتفاقية تخدم مصالح كل دولة على حدة.
مجموعة ''5+1'' هي نفسها مجلس الأمن، إضافة إلى الماكينة الألمانية، يقومون بفرض العقوبات على إيران من منصة مجلس الأمن وبشكل فردي، ويتفاوضون معها من منصة المجموعة، في لعبة سياسية فريدة من نوعها تهدف إلى توسيع نطاق الفوائد من جهة وعوامل الضغط من جهة أخرى. الدول الكبرى هي من تملك مفتاح الحل الدبلوماسي مع إيران، وهي من تمتلك مفتاح تغيير الواقع في الشرق الأوسط، وتدعي دوما أن أساس خلافها هو امتلاك إيران قنبلة نووية، حرصا منها على توازن المنطقة وخوفا على مصالح حلفائها الاستراتيجية. ومع ذلك، تتفاوض الدول الغربية عبر منصة مغلقة من غير وجود حلفائها الأكثر تأثرا بسياسة إيران الخارجية، التي يدعي الغرب الوقوف إلى جانبها.
فإيران التي بنت وجودها الخارجي على تصدير الفوضى حولها ومن ثم التوغل للتحكم فيها وإدارة الصراع والتربح منه، أصبحت اليوم تتفاوض مع الدول الكبرى في فنادق جنيف، على بعد آلاف الأميال من الدماء التي تستبيحها والمناطق التي تتوغل فيها وتتحكم في قرارها السيادي. مفاوضات، من المفترض، أنها بدأت من أجل الحفاظ على مصالح المنطقة، أبعدت المنطقة بأركانها الاستراتيجية ومؤسساتها الإقليمية عن مطبخ الصفقة. أين جامعة الدول العربية التي تعاني دولها من العراق وسورية ولبنان إلى اليمن من طاولة المفاوضات؟ أين مجلس التعاون الخليجي الذي تحتل إيران جزره وتثير الفوضى في دوله من تفاصيل الصفقة ووضع شروطها لعدم التدخل في شؤونها الداخلية؟
قد يكون هذا التقصير عربيا في المقام الأول، فلم نسمع حتى الآن موقفا صريحا لجامعة الدول العربية من المفاوضات، ولم يجتمع وزراء الخارجية لإعلان الشروط التي ستجعلهم يباركون الصفقة. من جهة أخرى، قد يكون الإبعاد جاء بقرار غربي يريد أن يستنزف الفوائد الاقتصادية والسياسية من الصفقة ليوسع من دائرة نفوذه في المنطقة، ليصبح الغرب أخيرا هو الوسيط الدبلوماسي بين الدول العربية وإيران ويزيد من وجوده كطرف أساسي في كل قضايا المنطقة.
في كل الحالات ومهما كانت النتائج، ستكون الدول العربية بعيدة عن قطف ثمرات الاتفاق بالشكل المطلوب. إن اتفقت إيران والغرب، ستذهب مئات المليارات من الفرص الاستثمارية إلى شركات النفط والغاز الأمريكية التي بدأت من الآن بالاستعداد لاقتحام السوق الإيرانية الواعدة التي توقفت فيها التنمية بسبب النووي. قد نشهد إيران صديقة للغرب، تتحالف معها لرسم ملامح شرق أوسط جديد على حساب الدول العربية. وإن اختلفت إيران والغرب، فسيغلق الباب أمام تسوية عربية - إيرانية محتملة من دون مباركة غربية، ولن تكون هناك قيمة لتقارب إيراني - عربي ولو شاء الطرفان.
ما زلنا لا نعرف ما الذي ستفاجئنا به جنيف، ولكن الأكيد أنها ستروج على أنها صفقة عقدت من أجل المنطقة، كانت دول الشرق الأوسط بعيدة كل البعد عن مداولاتها، وأبعد من الاستفادة منها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي