استراتيجية الأمن الغذائي .. الاستثمار المتعدّد
تمضي مبادرة الملك عبد الله للاستثمار الزراعي، كما هو واضح من نتائج بدء عملية التنفيذ، إلى الأمام، في الوقت الذي يبقى فيه الأمن الغذائي هاجساً لكل الدول التي تعاني نقصاً في الغذاء، أو فوضى الزراعة، أو صراعات سياسية تنعكس مباشرة على الأرض، أو عدم وضع التنسيق الإقليمي الزراعي في المرتبة التي يستحقها من الاهتمام. ومن أهم مزايا هذه المبادرة، أنها تمضي في اتجاهات مختلفة، من أجل تحقيق هدف واحد فقط، وهو أمن غذائي، يدخل في صلب الأمن الوطني، ويوفر الضمانات المعيشية اللازمة، على المديين القريب والبعيد. ومبادرة الملك عبد الله الزراعية، تمثل في الواقع مؤشراً مهماً لأولئك الساعين حالياً إلى التأسيس لأمان غذائي خليجياً وعربياً. والأمان الغذائي يسبق بالضرورة الأمن الغذائي، الذي يتطلب استراتيجية شاملة ومفتوحة ومرنة، بعيدة عن أي اعتبارات سياسية وغيرها.
ولعل من أهم مقومات المبادرة المذكورة، أنها تختص بالسعودية بالطبع، ولكنها تأخذ في الاعتبار الدول والمناطق الحاضنة لها. فالاستثمارات الزراعية وفق المبادرة تشمل 35 بلداً، تستفيد كلها من ناتج هذا الحراك الاستثماري على الصعيدين الاقتصادي والزراعي. كما أن هذه الاستثمارات سترفع من مستوى جودة المناطق القابلة لاستيعابها. فهي استراتيجية بالمنطلق، وكذلك بالمخرجات. والمرحلة الراهنة من عملية التنفيذ، وصلت إلى النقطة التي تتحدّد فيها نهائياً البلدان المستهدفة. فقد شملت عمليات المسح مناطق عديدة، وكانت في نطاق المستوى الوزاري، أي أنها ذات مرجعية عليا مباشرة. وسيكون من السهل بعد ذلك، التوصل إلى تشريعات وقوانين وضوابط خاصّة في التنفيذ الكامل للمبادرة، التي مرت بالمراحل الأولية الضرورية لها. وكلما تحرّرت من الجوانب البيروقراطية غير المحورية، كانت العجلة أسرع. فكثير من المبادرات تعرّضت لـ "إصابات" وإخفاقات من بيروقراطية غير ضرورية.
إن أفضل الوسائل لتوفير الأمان الغذائي، هي تلك التي تستند إلى استراتيجية واضحة تحاكي المستقبل، بالزخم الذي تتعاطى به مع الحاضر نفسه. وهذه المبادرة بصيغتها وهدفها، ليست آنية، بل مستقبلية تستهدف تعزيز الفرص الاستثمارية في الثروات الحيوانية والغذائية من دول عدة، بغية إيجاد سوق محلية متوازنة، تتوافر فيها جميع السلع، بأسعار مناسبة لتطلعات المستهلكين. وهذه خطوة واسعة باتجاه الأمن الغذائي. كما أنها تتضمن توفير التسهيلات اللازمة للمستثمرين السعوديين في الخارج في المجال الزراعي، ولا سيما تلك التي تتوافق مع المبادئ والمعايير الخاصّة بالمبادرة. أي أنها ليست مختصّة فقط بحراك حكومي، بل أيضاً بالحراك الخاص، الذي يسهم مباشرةً في الاستراتيجية الشاملة للأمان والأمن الغذائيين. وهذه التسهيلات تشمل أيضاً، اتفاقات مع الحكومات في الدول المستهدفة، تعطي دفعاً قوياً وحماية لاستثمارات السعوديين.
المرحلة المقبلة لمبادرة الملك عبد الله الزراعية، بعد التشريع والضوابط الاستثمارية، ستنقل الاستراتيجية إلى مستوى آخر وحقل جديد. ستكون مرحلة التنفيذ الفعلي على الأرض. وفي ظل الأدوات المتوافرة، يمكن تحقيق الناتج المطلوب، كما يمكن إخضاع الاستراتيجية نفسها إلى عمليات تطوير وفق كل المتطلبات، ولا سيما المحلية منها. والدول المستهدفة تتمتع بموارد زراعية جاذبة حقاً، وستجني هي أيضاً الكثير من المكاسب. ليس هناك أفضل الآن، من الوصول إلى أفضل صيغة لأمن غذائي متنوع الاتجاهات. فالنمو السكاني في المملكة يرتفع، ولهذا النمو استحقاقاته، التي تتصدّرها الإمدادات الغذائية. ورغم أن المملكة قطعت شوطاً مهماً في هذا المجال، مقارنة ببقية دول المنطقة، إلا أنها لا تزال في حاجة إلى مصادر غذائية أخرى. والاستراتيجية الزراعية المتكاملة، تنوع هذه المصادر، وتضعها في أفضل مستوى من الجودة.