هل نحتاج إلى «ميكافلينية» عربية جديدة؟

من السخرية أن يشتكي العرب من التسلط ويطالبوا بنظام ديمقراطي غربي أو إسلامي أو قومي لإنقاذهم من الفشل المزمن، بينما المطلوب ''ميكافلينية'' جديدة قوامها القوة في القرار الذي في خلاف مع القرار البطيء المصاحب للديمقراطية، خاصة في ظل الحاجة إلى الحسم. لم تعد الظروف الموضوعية تسمح للمساومات المصاحبة للديمقراطية. جاء الربيع العربي ليبشر بسطحية جديدة منتظرة، وكأن الديمقراطية كبسولة علاجية ترتقي بالعرب إلى مصاف الدول المتقدمة دون عناء العمل. سيكولوجية العربي في هذه الحقبة سمحت له بتجاوز نفسي لكل خطوة عملية صغيرة أو كبيرة من خلال الهروب الى القضايا العليا في الفكر والأيديولوجيا دون المرور بأعباء العمل والمسؤولية عن شيء. في ميدان التصرفات الشخصية تجد الكثير لا يعطي حتى تعليم أولاده الاهتمام الكافي، وليس مثالاً طيباً لنظافة المدينة، وليس قادراً على احترام الوقت، وفي تجاذب مضحك بين التقتير والإسراف، وأحيانا كثيرة مستهتر بالعمل الذي أصلاً غير''موجود''، إما لأنه مسند إليه عمل لا يستحقه أو لأن العمل نفسه لم يُعط حقه في المنظومة الإنتاجية. يقول أرسطو ''نحن ما نعمل دائماً''. أصبح المواطن الفاسد يطالب بدولة نقية، والحكومة غير الكفؤة لا تقوم بمسؤولياتها.
سيقفز لأذهان الكثير أن هذه صورة سوداوية. دعنا نبتعد عن الإسقاطات غير الموضوعية، فلما يموت الناس دون مبرر ويجوع ويهجر الملايين وتزيد الأمية ليس هناك مكان لإسقاط غير موضوعي حول الحالة الذهنية، الواقع أقوى من شعورنا حول الحالة، ولذلك لا بد من تفكير جديد. 2013 هي الذكرى القرنية الخامسة لكتاب ''الأمير'' لنيكول ميكافيلي، فبعد خمسة قرون ما زال هذا المفكر يثير الجدل بسبب فهمه الواقعي لجانب من طبيعة الإنسان الفاسدة. ولكن الأهم للعرب اليوم تشابه ظروف الحالة التاريخية التي تعامل معها نيكول والظروف العربية اليوم. حينها بدأ الدين السياسي في الانكسار وبدأت الدولة القومية في التشكل وبدأ الفكر الأيديولوجي يلاقي صعوبات على أثر الثورة العلمية حينها لم يتعامل الغرب مع قضايا الحكم بالديمقراطية بل القوة المبنية على الحكم الرشيد. النتيجة أن تحليل ميكافيلي الواقعي والعملي ارتبط في أذهان الكثير بأنه غير أخلاقي، فقد وصفه برتراند رسل بأنه وصفة عملية للمجرمين. ولكن واقعية الطرح جعلت منه كتاباً يتعدّى الزمن، بل قد يكون أخلاقياً في أمانة الطرح الفكري حول طبيعة البشر، وبالتالي يستحق مراجعة في أثناء محنة العرب.
يحتاج العرب إلى نقلة نوعية مبنية على برامج عملية سلاحها العلم والعمل. هضم الفكر العملي التدرجي ضروري لزيادة الإنتاجية للتنافس مع الأمم الأخرى من خلال الزج بهم ولو بقوة نحو ميدان المكاشفة والمنافسة. فكرياً أصبح العربي لا يفرق بين السياسة كألاعيب ولا السياسة كبرامج عملية ملزمة أو بين العدالة والمساواة، وبالتالي انطلاء هذا الخلط الذهني على الخلط بين الديمقراطية والحكم الرشيد. النقلة النوعية تتطلب حكماً رشيداً قوامه ''مكيافلينية'' جديدة هدفها قوة الحكم في تنفيذ اعتناق العلم والعمل بعيداً عن التوجسات الجانبية أيا كان مصدرها. تحليق العرب في أوهام الماضي المتمثلة في نظرة غير واقعية تسمح للكثير منهم بالمتاجرة في سوق الأفكار وكأنها سلع رخيصة دون مسؤولية عملية، وهذه درجة متقدمة من المرض الحضاري.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي