التفكير الإبداعي .. فى المنظمات الإدارية
لقد ثبت أن كل المشكلات التي يعانيها الإنسان .. هي مشكلات إدارية في الدرجة الأولى، وإزاء أهمية الإدارة في حل المشكلات وتحقيق التنمية المستدامة، فإن السياسيين يراهنون على التفكير الإبداعي في مجال الإدارة ويراهنون كذلك على الحلول غير التقليدية.
وتأسيساً على ذلك نستطيع القول إن الإبداع في مجال الإدارة أثبت نجاحه ليس على مستوى المؤسسات والشركات، بل حتى على مستوى الدول، فالبرازيل وتركيا وماليزيا -على سبيل المثال- خرجت من أغلالها عبر الإبداع الإداري والحلول غير التقليدية.
وفي الوقت الراهن تتجه كبريات المصارف والشركات -وبالذات في العالم المتقدم- إلى التعاقد مع أصحاب الملكات والحلول غير التقليدية لحل المشكلات الكبرى التي تعانيها.
إن التفكير الإبداعي في مجال الإدارة أثبت أنه المفتاح السحري لحل كبريات المشكلات التي تعانيها المجتمعات، وحينما كلفت بريطانيا بتنظيم دورة لندن الأولمبية في 2012 تعاقدت مع المدير التنفيذي لأحد المصارف ممن عرفوا بالإبداع في المجال الإداري، وفعلاً حول جون سميث الدورة الأولمبية من مشروع يستنزف الأموال إلى مشروع يحقق الأرباح، ويومها حققت بريطانيا أرباحا صافية بلغت الـ 30 مليون جنيه استرليني.
إن الإبداع عطاء يتمدد من المبدع ليستفيد منه الجميع، والشخص المبدع هو ذلك الشخص الناجح الذي يتمتع برؤية ولديه رسالة ويحاول أن يسلك أسلوباً يميزه عن الآخرين وهو في طريقه إلى حل المشكلات التي تواجه المجتمع.
ولذلك نقول إن الإبداع إحدى الوظائف الرئيسة للمديرين الحالمين، ونؤكد أنه لم تعد الإدارة مجرد عمل روتيني، فالمديرون مطالبون بالمبادأة والمبادرة في طرح المشاريع الواعدة على اعتبار أن المدير هو المبدع الأول، وصاحب الحلم الكبير، ولذلك فإن من أهم خصائص المدير المبدع أن يتمتع بخيال خصب ويرى بخياله الخصب ما لا يراه الآخرون.
وإمعاناً في تحليل إمكانات المدير المبدع، فإن بعض الإحصائيات تقدر أن المدير المبدع يبذل ما يقرب من 25 في المائة من طاقته في عمله المهني، و25 في المائة في القدرة على التخيل، و50 في المائة من طاقته في تكوين مدخراته الإبداعية التي يستعين بها في طرح الحلول غير التقليدية للمشكلات التي تعرقل مشاريع المجتمع.
إن الحاجة إلى الإبداع تظهر عندما يدرك متخذو القرار في المنظمة أو في المؤسسة أن هناك تفاوتاً بين أداء المنظمة الفعلي وبين الأداء المستهدف.
وهذا التفاوت بالطبع يقلق المنظمة ويحثها على تصميم مشروع ابتكاري يدفع المنظمة بقوة إلى الأمام، وعادة فإن الظروف التي تخلق الحاجة إلى الإبداع تأتي من التغيرات في بيئة المنظمة مثل التغيرات التكنولوجية، أو تغير أذواق المستهلكين، أو/ وظهور خطوط جديدة للإنتاج، فإذا شعرت المنظمات أن هناك فجوة بين السلوك الحالي والسلوك المرغوب، فإنها يجب أن تبادر لتقليص الفجوة ويكون ذلك من خلال الإبداع وإعادة اختراع المنظمة.
ونعترف بأن هناك إبداعا لا يقوم به شخص المدير فحسب، وإنما تقوم به جماعة العمل، وإبداع الجماعة في أي منظمة أكبر من الإبداع الفردي، أيضاً الجماعة المختلفة من حيث الجنس تنتج حلولاً أحسن جودة من الجماعة أحادية الجنس، كذلك الجماعة شديدة التنوع تنتج حلولاً أفضل، وإن الجماعة حديثة التكوين تميل إلى الإبداع أكثر من الجماعة القديمة، وثبت أن الإبداع يزداد مع ازدياد عدد أعضاء الجماعة، حيث تتسع القدرات والمعارف والمهارات.
إن المحور الجوهري للمنظمات المبدعة يقوم من خلال بيئة تنظيمية تعمل على بلورة الاتجاهات الإبداعية في منهج فكري وعملي يتأسس على ممارسات وظيفية تعمل على ترسيخ الإبداع كهدف تنظيمي يجدد نفسه بنفسه، وكلما كانت المنظمة قادرة على تجديد نفسها بنفسها .. كلما نجحت في كسب الرهان في سوق أصبحت المنافسة فيه شرسة إلى حد بعيد.
إن المنظمات الكبرى في جميع أنحاء العالم تسعى للحصول على ميزة تنافسية، ويكمن مصدر هذه الميزة التنافسية في تنمية ثقافة إبداعية تشكل أساساً راسخاً في الابتكار والنمو.
وإذا كان التفوق على المستوى الفردي، يرتكز على بناء الثقة بالقدرات الذاتية للفرد من أجل تحقيق المزيد من الإبداعات، فإنه على صعيد الفريق، من المهم العمل على تطوير لغة ومفاهيم مشتركة وقواعد أساسية تشجع الإبداع، وتزود الفرق بالأدوات والتقنيات والإجراءات التي تتمخض عن أفكار جديدة ومتجددة.
لكن الأهم من ذلك على المؤسسات، إذا أرادت الحصول على ثقافة إبداعية أن تتأكد من أن أداء العمل يرتكز على وجود أفراد أكفاء يتمتعون بثقة عالية بالنفس، إضافة إلى توافر فرص فاعلة ونشطة.
وبدون سلاح الإبداع والابتكار، فإن الإدارة في السعودية التي يفاجئها التفكير الإبداعي في مجال الإدارة .. تحتاج إلى سرب من المبدعين الإداريين الذين تقع عليهم مسؤولية تطوير الإدارة السعودية لمواجهة مستقبل لا يبقى فيه إلاّ من لديه ملكة الإبداع وإمكانات المنافسة الشرسة.