مع انتهاء المهلة .. فرص وافرة للعمل القانوني

بالأرقام وبالصوت وبالصورة تنكشف حجم مشكلة الاقتصاد الوطني مع مخالفات العمالة الوافدة التي انتهت المهلة التصحيحية لأوضاعها في المملكة، فمع بداية تطبيق القانون المؤيد بالقرارات التنفيذية ظهرت لنا أسرابٌ من البشر كانت تعمل في العلن وتحوّلت إلى عبء على الأجهزة الأمنية في معالجة توثيق معلوماتها وترحيلها وهو وضع قانوني إجرائي كان على تلك العمالة توقّعه بعد أن تمّ تمديد المهلة وأخذ الجميع فرصته للتوافق مع القانون والالتزام به وإعادة ترتيب الأوضاع ومَن لم يستطع تعديل وضعه فقد كان عليه الرحيل الاختياري بدلا من الخضوع للرحيل الإجباري وما يترتب عليه من إثبات حال المخالفة ونوعها وفرض العقاب عليه.
إن تصحيح أوضاع العمالة سيوفر فرص عمل قائمة بالفعل وليست جديدة، لأن ما حصل هو إحلال واستبدال مَن يستطيع أن يتوافق مع القانون بمَن لا يستطيع فكما خرج من السوق العامل المخالف فإن المؤسسات والشركات المخالفة ستخرج أيضاً لأنها كانت مجرد غطاء لتلك العمالة مقابل أجر متفق عليه أو نسب محددة وتلك المنشآت المخالفة لا تقوم بعمل بقدر ما توافر لمَن يعملون على كفالتها أحقية العمل، وهو أمر لم يعد ممكناً لأن كل عامل يجب أن يعمل لدى كفيله النظامي وفي المهنة المحددة في إقامته وعدا ذلك فهو مخالف مستوجب للعقاب.
لقد تمّ بالفعل إغلاق الثغرة القانونية وفتح فرص عمل لمَن أراد أن يعمل فالمنشآت لن تحرم من الاستقدام ولكن وفق الطريقة القانونية التي تعني أن أي تأشيرة تمنح للمنشأة لا بد أن يتم الاستقدام عليها لمصلحة المنشأة، وأن يتم التشغيل في مسمى المهنة المحددة في التأشيرة، وبالتالي فإن السلوك السابق الذي كان مألوفا بل شهد نشاطاً في التأشيرات وتوفير فرص العمل لحساب العمال لم يعد ممكناً وهي ثغرة قانونية طالما استغلها البعض من ضعفاء النفوس لتشغيل عمالة غير نظامية، ثم إنكار حقوقهم في المقابل المادي، وهو ما لا يمكن القيام به مع عمالة نظامية تعمل لحساب مؤسسات أو شركات، كما يجب في الأحوال المعتادة.
لقد استفاد من إجراءات التصحيح ما يزيد على مليون ونصف المليون عامل، كما غادر المملكة عدد كبير، بعضهم وفق الطرق النظامية وبعضهم عن طريق الخروج بالطريقة التي قدموا بها، تفادياً لتسجيلهم في بيانات المخالفين، ولكن لا يزال لدينا عمالة منفلتة إذا لم تجد لها عملاً فإنها مصدر خطر على المجتمع وعلى الأفراد وهي مؤهلة للقيام بالجرائم لتوفير لقمة العيش، وهناك عمالة لن يكون الوضع الجديد مربحاً لها ولا مريحاً، لأنها بالفعل تمارس أعمال المقاولات والصيانة والبيع بالتجزئة والجملة لحساب نفسها، وستجد بالتوافق مع كفلائها عقوداً صورية وأوراقاً وهمية لإظهار سلامة أوضاعها وهذا سيسهم في بقاء مشكلة البطالة بما لها من مردود سلبي على الأمن الوطني.
إن أهمية تنظيم أوضاع العمالة إنها تبني رؤية صحيحة للعمل، أو بمعنى آخر تطبيق الأنظمة والتعليمات وغرسها في ثقافة العمل التي تضرّرت كثيرا مع مرور الزمن وخلقت الاتكالية والتواكل وإعطاء الأولوية للتوظيف الصحيح للطاقات البشرية سواء كانت أيدي عاملة سعودية أو وافدة فلن تستغني المملكة عن الأيدي العاملة من الخارج، ولكن وفق آلية سليمة وفي إطار صحيح، فالعامل لا يعمل لحساب نفسه، بل لحساب كفيله وبمقابل شهري أو بالطريقة التي يتم الاتفاق عليها في تحديد الأجر، وهي موضحة في نظام العمل السعودي، وكذلك عدم جواز عمل العامل عند غير كفيله لأي سبب كان، وأخيراً عدم جواز عمل العامل في غير المهنة الموضحة في إقامته، ومن المؤكد أن مساحة كبيرة من الفوضى تم إغلاقها ولم يعد بإمكان العامل الوافد القفز فوق القانون ولا القدرة على المناورة والمنافسة والمساومة وهي بدهيات لم نتنبه لها إلا أخيراً.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي