استراتيجية الغذاء العربي .. لكيلا تكون تمنيات
رغم أهمية دعوة مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، إلى استحداث نظام إنذار مبكر لتوفير الغذاء، ورغم أنها تحاكي المستقبل بالفعل، وتتماشى مع استحقاقاته، ورغم أن المجلس يضع يده على واحدة من أهم القضايا المعيشية والحياتية العربية، إلا أنه ليس من السهل الوصول إلى مراحل قريبة مما يطرح في هذا المجال. هناك معوقات كثيرة، والطريق طويل لتحقيق هذا الهدف. يمكن اختصاره، ولكن يجب أن تكون الظروف السياسية والعلاقات العربية مهيأةً لذلك. ومهما كانت التمنيات خيّرة، إلا أنها تبقى بلا معنى، في ظل غياب الأدوات والنيّات والإرادة المطلوبة. وقطاع الغذاء، كغيره من القطاعات، يتطلب بيئة حاضنة للمخططات الرامية لإصلاحه، أو إيصاله إلى المستوى الآمن. فقضية ''الأمن الغذائي'' العربي طُرحت في الواقع منذ ستينيات القرن الماضي، إلا أنها ظلت ملقاة دون حراك يُذكر.. بل باتت جزءاً من قضية''الوحدة العربية'' التي ظلت نظرية إلى الآن.
ولكيلا يكون الأمر محبطاً إلى هذه الدرجة، لا بد من الإشارة إلى أن هناك حراكاً إيجابياً في هذا المجال، بدأ أخيراً يتفاعل على صعيد دول مجلس التعاون الخليجي، على الرغم من أنه لا يزال في سياق خطواته الأولى. ولا شك في أن البيئة الخليجية السياسية والاجتماعية والجغرافية وغيرها، تساعد على تحقيق نقاط على هذا الصعيد. والنضج السياسي الخليجي، يحقق منذ أكثر من عقدين من الزمن، قفزات تجاوزت بمسافات طويلة النضج السياسي العربي، الأمر الذي يحول المخططات التنموية ''بكل أشكالها'' إلى ورش حقيقية، وبالتالي يوفر الناتج المأمول منها. فالقضية برمتها لا تتعلق فقط بوضعية الزراعة والري والأراضي الخصبة، بل ترتبط بصورة رئيسة بطبيعة البيئة السياسية للبلدان العربية. شهدنا في السابق، كيف أن اختلاف الحكومات يؤدي مباشرة إلى تجميد أو قطع نشاطات حيوية لا دخل لها في السياسة ولا بطبيعة العلاقة بين الحكام أنفسهم.
الدعوة التي تضمنتها دراسة مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، استراتيجية بكل معنى الكلمة، بما في ذلك، بناء صناديق موازنة، أو مخزونات غذائية مناسبة، من أجل تحقيق التوازن المطلوب بين العرض والطلب، بل ذهبت أبعد من ذلك، إلى ضرورة تنظيم المعونات الغذائية الخارجية، وتحويلها إلى المناطق التي تعاني العجز الغذائي. كل هذا يقود بالفعل إلى الأمن الغذائي الذي يتمناه كل فرد عربي في كل بلد عربي، ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك، بينما هناك بلدان عربية تستولي حكوماتها على المعونات الغذائية بل الإغاثية؟! وهذه الأخيرة ''الإغاثية'' تعج بالسرقة في المناطق التي تشهد حروباً وتوتراً، بما في ذلك سورية، التي أكد مسؤولون دوليون أخيراً أن الجماعات التابعة لبشار الأسد تبيعها على أرصفة الشوارع!
كل شيء مرتبط بالإرادة السياسية، وإذا ما كانت موجودة بالفعل، هناك إمكانات عربية جيدة، طبيعية ومكتسبة، يمكن أن تؤسِّس لنظام غذائي عربي آمن، يبدأ بتنظيم الموارد المتوافرة، وينتهي بعد ذلك إلى الهدف الأشمل وهو الأمن الغذائي. وبالإمكان أيضاً، البدء محلياً في كل دولة، بتوجيه الإنتاج الزراعي والغذائي بشكل أفضل. هناك مناطق عربية شاسعة لا تحتاج حتى إلى إصلاح زراعي فيها، ولكنها تفتقر إلى الأدوات العملية والعلمية لاستغلالها.. الأمر مرة أخرى ليس سهلاً، فالاستراتيجية المطروحة تحتاج إلى الكثير من المقدمات لإطلاقها بشكل فعلي لا صوتي. ليس أفضل للعالم العربي من وجود نظام إنذار مبكر غذائي، وبعده أمن غذائي. وهذا الأمن بحد ذاته يمنح قوة للعرب يحتاجون إليها الآن أكثر من أي وقت مضى. وللوصول باستراتيجية الغذاء إلى أفضل مستوياتها، ينبغي عدم تسييسها. والحقيقة، إن هذا الأمر ليس سهلاً أيضاً، في ظل متغيرات كثيرة تشهدها المنطقة العربية، ولا سيما الدول التي يمكن أن تكون أساسية في الاستراتيجية نفسها، من حيث بيئتها الخصبة.