اتجاهات صناعية ضرورية ومربحة
أعدّت غرفة تجارة وصناعة مكة دراسة لما سمّته ''مصانع الأجيال''، وهي تتلخص في إنشاء شركة قابضة تتولى بناء مصانع صغيرة ومتوسطة، وتأجيرها للمواطنين عبر مفهوم جديد أطلقت عليه اسم ''المصنع التأجيري''، ويتم من خلاله بناء المصانع باستخدام تقنية المصانع الرأسية وحلول الذكاء الصناعي، على أن يضم المشروع في مرحلته الأولى ما بين 200 و300 مصنع ومعمل، وستوفر 28 ألف وظيفة مهندس وفني وعامل إنتاج وخدمات، وثمانية آلاف موظف خدمات مساندة ودعم لوجستي. فهي باختصار فكرة غير مسبوقة على المستوى العربي لمشروع عملاق جداً، يهدف إلى بناء مشاريع صناعية صغيرة.
هذا هو الطريق الصحيح نحو بناء صناعة حقيقية، وتوجيه الشباب نحو اتجاهات صناعية مربحة وضرورية. وتقليل خسائر منحنى التعلُّم، فبناء المصانع في المملكة عملية مكلفة جداً، وتجربة مخيفة لكل شاب، نظراً لما تحمله من مفاجآت واسعة، كما أن المصانع السعودية بشكل عام تواجه مشكلة التسويق، وهي مشكلة عميقة، والمتخصّصون فيها قليلون، ولذلك يفشل الكثير من المصانع في إيجاد أسواق أو فتح أسواق جديدة، مع عدم قدرتها على التصدير أو ضعف الخبرات في ذلك، لهذا كله ترتفع تكلفة منحنى التعلُّم والخسائر الناتجة عنها كلما طالت مدة اتجاهها السالب، وبسبب هذا - إضافة إلى ارتفاع التكاليف الرأسمالية لبناء المصانع - فإن الشباب السعودي يحجم عن المغامرة في هذا الاتجاه، الأمر الذي يضع المملكة في مسار الاعتماد على الشركات الكبرى ورؤوس الأموال الضخمة لبناء مصانع كبرى، وتجعلنا أسرى صناعة البتروكيماويات وهي الصناعة التي تشبّعت حاليا بالمنتجين.
لن يتمكّن اقتصاد المملكة من تجاوز عقبة الصناعات النفطية ما لم نقتحم عالم الصناعة من خلال إيجاد ثقافة صناعية واسعة بين الشباب وبناء الآلاف من المصانع الصغيرة والمتوسطة في صناعات غير نفطية مهمة تحتاج إلى رؤوس أموال متوسطة، وهي الصناعات التي تحجم عنها الشركات الكبرى ولا تموّلها السوق المالية، لذلك تنغلق الحلول أمامنا. ولكسر هذه الحلقة المفرغة، فإن مشروعاً بهذا الطموح هو الذي سيحل الفجوة بين رغبة رؤوس الأموال في الاستثمار في شركات كبيرة وبين حاجة الاقتصاد إلى مصانع صغيرة ومتوسطة وبين إحجام الشباب عن المشاركة لصعوبات التمويل ومخاطره.
فهذا المشروع الطموح سيعرض المصانع إما عن طريق ''التمليك''، أو ''حق الانتفاع'' لمدة تصل إلى 30 عاماً للمواطنين، ما يخفّض مخاطر التمويل على الشباب. كما أنه لا يخلو من مبادرات مهمة، مثل تدريب العمالة السعودية عبر شركات عملاقة مختصّة، ونقل التكنولوجيا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة. ولكي يتجاوز المشروع مشكلة منحنى التعلُّم وخسائره فإن إدارة المصنع ستبقى بيد الشركة القابضة التي تشرف عليه، ولكنه يمنح المستأجر حق إدارته بعد سداد 60 في المائة من قيمته. كما أن المشروع يستقي أفكار المشاريع الجديدة، من احتياجات الشركات الكبرى، مثل: ''أرامكو'' و''سابك'' و''تحلية المياه''، وهذا بدوره سيحل مشكلة التسويق. فالطلب المسبق هو الذي يوجّه بناء المصانع وتبني المشاريع، ما يضمن شراءً فعالاً للمنتجات.
إن مثل هذا المشروع الطموح والرائع لا ينقصه سوى الدعم الحكومي وقطاع المصارف، والشروع في التنفيذ لما يقدمه من حلول حقيقية وفعالة للمجتمع والاقتصاد.