استشاريون للأبد
تدريجياً وبثبات دخلت المملكة العصر البيروقراطي إلى أن أصبحت تكلفة الجهاز أكثر من العائد عليه على الرغم من الحاجة الملحة إليه، إذ يصعب أن يكون هناك دور للحكومة دون بيروقراطية، زاد على ذلك بطء الاقتصاد في تحقيق نمو حقيقي لاستيعاب النمو الكبير في خريجي الجامعات والمعاهد؛ ما اضطر الحكومة إلى توظيف الكثير رغم معرفتها بمدى الضرر وقلة الحيلة. تحقق ذلك على مدى عقود، ولكنه أخذ منحنى حاداً في السنوات العشر الأخيرة لأسباب منها الطفرة السكانية والمالية وصعوبة التعامل مع الجهاز الذى أصبحت إدارته أحد معوقات التنمية، وعدم وجود توجّه واضح لخلق قيادات إدارية مؤثرة. العيوب التراكمية أصبحت هيكلية مما جعل فهمها وتفكيكها والوصول إلى حلول ناجحة أمراً يتطلب كفاءة فكرية وقدرة على نقد الذات وفكراً خارج الصندوق، وهذا بدوره ليس موجوداً في أغلب الدوائر البيروقراطية. عدم الوجود ليس بسبب عدم قدرة التكنوقراط فنياً، ولكن بسبب عدم التماسك المؤسساتي ومرجعية النموذج التنموي. هذه البيئة أوجدت فرصاً كبيرة للمكاتب الاستشارية بغض النظر عن قياس الاحتياج وتقنين العلاقة بين العائد والتكلفة أو كفاءة الكثير منهم.. بعض الجهات صرفت مئات الملايين دون فائدة تُذكر.
رد الفعل كان سريعاً وأحياناً حتى خلاقاً في توظيف استشاريين من أشكال وألوان متنوعة أفقياً ورأسياً، فهناك مسائل فنية تخصُّصية، وهناك أخرى استراتيجية، وهناك أخرى إدارية. الهجمة السعودية على توظيف الكل لا تزال لافتة ومستمرة. لعل الأكثر غرابةً هو أسلوب توظيف هؤلاء، فهناك جهات حكومية توظف مكاتب استشارية ليس لدراسة مشكلة محدّدة ومن ثم رفع التوصيات إلى المسؤولين بعد مناقشة مستفيضة مع موظفي الوزارة أو المؤسسة وتفعيل دورهم، ولكنها تأخذ بُعداً آخر حين تكون الدراسة والنقاش مع الوزير أو الوكيل دون غيرهما، وتأخذ عنوان الهيكلة التي يصعب تأطيرها دون رؤية معمقة مستقلة ومرتبطة بحاجة البرنامج التنموي عامة، فكل قبيلة بيروقراطية تبحث في يأس عن استراتيجية دون مرجعية لاستراتيجية المملكة. وأحيانا تكون الجهة الاستشارية مجرد وزارة جديدة في الظل، بينما الوكلاء ومساعدوهم مجرد واجهة إعلامية ومستمرة وبتكاليف عالية دون مردود يُذكر. مصالح هؤلاء تصبح فرصة لمَن يدخل من خلال هذا الباب البعيد عن سلم رواتب الحكومة، وأحياناً أخرى مجرد مدخل وتوظيف غير ذكي لكي يقول الاستشاري للمسؤول ما يريد ولكن بصيغة احترافية شكلياً، أحد إفرازاتها أن يستمر الاستشاري للأبد وحتى بعد أن يغادر المسؤول الذي استعان به. أصبحنا لا نفرق بين الحاجة إلى عصف ذهني وبين دور الاستشاري.
وصلنا إلى مرحلة متقدمة من الترف البيروقراطي فكل وزير وكل مسؤول لديه استشاري مفضل، وكما هي العادة في المجتمعات الشرقية يصبح الفرد وقدرته على النفاذ إلى قلب المسؤول أهم من دوره الحقيقي أو حاجة الجهة إلى فكر جديد أو دراسة عن السوق أو المساعدة على عصف ذهني للوصول إلى استراتيجية محدّدة ومنسجمة مع استراتيجية الوزارة السابقة أو المملكة. حان الوقت للاستغناء عن الأغلبية العظمى في أسرع وقت لمحاولة الاستفادة من الدراسات التي على الرفوف وتوظيف عقولنا بدلاً من جيوبنا.