ربط سياسات الابتعاث بالعمل وتنمية المشاريع الصغيرة

يشد المتابع لقضية توفير الوظائف والسعودة استمرار الشكوى من نقص الكوادر الوطنية التي لديها الخبرة والكفاءة العالية، ومن عدم مواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل، وهي جملة أصبحت ملازمة لأي حديث عن خريجي الجامعات، خصوصا التعليم الداخلي. المحير للذهن هو أننا الآن نسمع نفس الشكوى عند الحديث عن الخريجين الجدد الذين أنهوا فترة الابتعاث للدراسة في الخارج. فهل يا ترى، حقا ما يقال عن ضعف في المهارات والقيم المهنية لدى الخريجين الجدد، أم محاولة لتفادي متطلبات توطين سوق العمل المفروضة على القطاع الخاص؟ لنأخذ الطرح الأول على محمل الجد ولنحاول إيجاد حلول لهذه الإشكالية.
يرى القائلون بضعف مهارات الخريجين أنه لا يتوافر لديهم خبرات ومهارات عملية حتى إن قضوا سنوات في أفضل الجامعات العالمية، حيث إنه من المعروف أن معظم الخبرات والمهارات العملية لا تأتي من الجلوس حصرا في قاعات الجامعات، وإنما تصقل في خضم العمل والتعامل في السوق الحقيقية. هذا الرأي فيه الكثير من الصحة ومعظم الدول المتطورة التي توجد فيها هذه الجامعات توفر للطلاب الخريجين فرصا للتمهن والتدريب على المهنة أو ما يعرف بـ ''apprenticeship '' أو''internship'' وهي فرص عمل مرحلية تمنح أثناء الدراسة أو بعدها مباشرة. نظام التمهن هذا هو جزء من سياسة ونظام التعليم المربوط باحتياجات سوق العمل في معظم الدول الصناعية كألمانيا وفرنسا وكوريا وماليزيا، حيث يقضي معظم الخريجين فترات تتراوح من ستة أشهر إلى سنتين في فترة التمهن مدفوعة الأجر، حيث يتم صقل مهاراتهم ودعمها من خلال الممارسة ونقل الخبرة. ويدعم هذه الأنظمة برامج توجيه مسبقة تساعد الطلبة على معرفة ميولهم ومصادر القوة لديهم، ومن ثم توجيه خياراتهم العلمية والمهنية بما يتناسب مع رغباتهم والفرص المستقبلية في سوق العمل. ويتميز هؤلاء المتدربون بمعدلات عالية من النجاح والأداء أكثر من أقرانهم الذين لا يتلقون فرص التوجيه والتدريب العملي في مرحلة التحول من الدراسة إلى العمل الرسمي المستدام. المشكلة أن معظم الطلبة السعوديين في الخارج لا يستفيدون من هذه الفرص للعمل والتدريب الممنوحة لهم قانونيا للبقاء والعمل لفترة التدريب المؤقت (سنة ونصف لخريجي الماجستير وسنة للبكالوريوس)، حيث تنتهي مدة الابتعاث عند التخرج مباشرة ويكون البقاء صعبا، خصوصا أن معظم الشركات التي تستقبل الخريجين لا تدفع لهم ما يكفي للبقاء، والعيش أثناء فترة العمل التدريبي في الخارج.
أحد حلول هذه المشكلة هو أن يتم تمديد فترة الابتعاث لمدة ستة أشهر أو سنة لتشمل مدة التدريب والتمهن العملي ومساعدة الطلبة على البحث عن وظيفة بإقامة شراكات تعاون للتدريب مع الشركات الأجنبية، خصوصا التي لديها عقود أو أنشطة تجارية كبيرة في المملكة التي تقدر بأكثر من 200 شركة عالمية. فيمكن تشجيع الطلبة السعوديين على بدء البحث بفترة طويلة قبل التخرج والتنسيق مع الجامعات والملحقيات الثقافية أو عن طريق التنسيق مباشرة مع القطاعات التي لدينا علاقات وتأثير فيها كالمؤسسات الدولية كالبنك الدولي والأمم المتحدة وصندوق النقد أو الشركات الدولية كالمصارف وشركات الطاقة والطيران والتقنية والسياحة والاستشارات التي يمكن أن تدرب من خلال العمل المؤقت أكثر من عشرة آلاف خريج سعودي حول العالم. ربما يكون هذا الحل متطلبا رئيسا لزيادة جدوى الابتعاث الخارجي الذي استثمرت فيه الدولة الكثير، ولتلافي الأثر السلبي من عدم حصول الطلبة الخريجين على وظائف تتوافق مع توقعاتهم العالية.
يوجد حل آخر أيضا يدعم فئة أخرى من الخرجين وهو دعم هؤلاء الخريجين الجدد أو فئات مؤهلة منهم في الحصول على فرص حقيقية لإنشاء مؤسسات صغيرة بأفكار جديدة أو جلب أفكار تجارية تم نجاحها في أسواق الدول التي درسوا فيها. لهذه الفكرة عدة فوائد. أولا سيتم تخفيف العبء على مؤسسات العمل الحكومية وغير الحكومية، وتكون مفيدة في الحد من الحاجة إلى طرح وظائف حكومية جديدة تؤدي إلى تضخم القطاع العام. فتعد سياسة الدعم هذه أكثر فاعلية وجدوى اقتصاديا من زيادة الوظائف في القطاع العام التي زادت أكثر من 200 ألف وظيفة منذ سنة 2011 وستكلف أكثر من 400 مليار على افتراض أن معدل تكلفة كل وظيفة في القطاع العام هو ما يقارب مليوني ريال وما يتبعها من ضمان اجتماعي وتقاعدي. فلو تم زيادة منح القروض الميسرة (مثلا مليونا ريال) كالتي يقدمها بنك التسليف وغيره لكل خريج أو فريق من الخريجين بتنسيق مسبق وتقديم الدعم الفني والمؤسسي الكامل المستدام لكل مشروع وربط تلك المشاريع بالسلسلة الإنتاجية (supply value chain) ونظام المشتريات الحكومي لتم توفير وظائف مستدامة للخريجين ودعم للنمو الاقتصادي المستدام دون الحاجة إلى زيادة كبيرة في التوظيف في القطاع العام. ولكن لن تؤدي هذه الخطوات الهدف بشكل كامل دون الأخذ بخطوات أخرى صارمة مثل السيطرة على إعداد العمالة الوافدة وإزالة الممارسات الخاطئة كالاحتكار والغش والتستر والتعسف وعدم احترام حقوق الملكيات التي بدأت وزارة العمل ووزارة الداخلية بالتعامل معها بشكل جدي ومؤثر في الآونة الأخيرة.
يوضح ما سبق أن أفضل سياسات التعليم والتوظيف وتنمية سوق العمل هي التي يتم فيها تخطيط استراتيجي وتناسق وتكامل بين سياسات التعليم والابتعاث والتدريب والتوظيف والدعم للمنشآت الصغيرة. يتطلب هذا التعاون والتنسيق بين قطاعات عديدة كـ''العمل''، و''التجارة''، والغرف التجارية، والتعليم العالي في الداخل والخارج، والاستثمار، والجامعات، وصناديق دعم المنشآت الصغيرة والقطاع الخاص والباحث من العمل. يشكل هذا الأسلوب من خلال الشراكة والتكامل ليس فقط بين مؤسسات القطاع العام، بل بينها وبين القطاع الخاص والمجتمع المدني بالتوجه الجديد في سياسات وممارسات الإدارة والتخطيط الاستراتيجي لرفع مستويات الأداء والتنمية المستدامة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي