الاستدامة المالية للمملكة

سبقت الإشارة في مقالة الأسبوع الماضي إلى أن مصطلح الاستدامة المالية العامة أو الحكومية هو أحد المصطلحات المستخدمة في السياسات المالية، وأنه لا يوجد اتفاق على تعريف محدد لهذا المصطلح، ولكن يمكن تعريفها بأنها الحالة المالية التي تكون فيها الدولة قادرة على الاستمرار في سياسات الإنفاق والإيراد الحالية على المدى الطويل دون خفض ملاءتها المالية أو التعرض لمخاطر لإفلاس أو عدم الوفاء بالتزاماتها المالية المستقبلية. وتعتمد الاستدامة المالية على الوضع القائم وتوقعات الإنفاق والإيراد المستقبلية طويلة الأجل. ويتم بموجب هذه التوقعات تعديل السياسات الحالية سواء بزيادة أو خفض النفقات أو الإيرادات. ويرتبط مصطلح الاستدامة المالية بمصطلح آخر يسمى الفجوة المالية، والتي تعرف بأنها الفرق بين القيمة الحالية لجميع التزامات الدولة وإيراداتها المستقبلية.
وتسعى الدول لتحقيق الاستدامة المالية لكي تتمكن من الاستدانة لتغطية عجوزاتها المالية وبشروط ميسرة. ويؤدي فقدان الدول لاستدامتها المالية أو تراجع ثقة الأسواق بقدرتها على الوفاء بالتزاماتها إلى توقف الدائنين عن إقراضها أو رفع معدلات الفائدة على قروضها إلى مستويات عالية ووضع ضوابط وشروط لاقتراضها. وتعتبر معدلات الزيادة السريعة في نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي أكثر العوامل المؤثرة سلباً في استمرار وضعية الاستدامة المالية للدول. وهناك العديد من العوامل الأخرى التي تؤثر في الاستدامة المالية للدول ولعل أهمها معدلات الفائدة الحقيقية ومعدلات نمو الناتج المحلي الحقيقية ومعدلات نمو النفقات والإيرادات.
وتمتعت المملكة ومنذ فترة طويلة من الزمن بمستويات جيدة من الاستدامة المالية بسبب سياساتها المالية والنقدية المتحفظة. ومع أن المملكة لم تسع في أي وقت للاستدانة من الأسواق العالمية، إلا أن الأسواق العالمية والمحلية ترحب بأي طرح لأوراق المملكة الحكومية. وقد حصرت الدولة اقتراضها في السابق على الأسواق المحلية عند تزايد عجزها المالي. وحصر الاقتراض على الأسواق المحلية وفي العملة المحلية يخفض من تأثير القوى والعوامل الخارجية كما يلغي مخاطر تقلبات العملة التي قد تقود إلى نتائج سيئة على مستويات الدين والعملة المحلية عند تراجع احتياطيات العملة الأجنبية. وقد بدأت الدولة بالاقتراض في منتصف الثمانينيات ووصل الدين العام أوجه في بداية الألفية، حيث وصل إلى مستويات مقاربة لحجم الناتج المحلي في بداية الألفية. وقد وفرت الطفرة في أسعار النفط منذ بداية الألفية موارد إضافية مكنت الدولة من تسديد الأغلبية الساحقة من هذه الديون. وقد حرر هذا الإنجاز الإنفاق الحكومي من تبعات خدمات الدين والتي تؤرق الكثير من الاقتصادات العالمية العتيدة, كما أعطى مجالاً للسياسة المالية في حال تراجع الإيرادات الحكومية لاستخدام الاقتراض مجدداً لتمويل العجوزات المستقبلية في حالة حدوثها. وقد رفع تسديد معظم الدين مستويات الثقة بالسياسات المالية مما سيخفض تكاليف الاستدانة في حالة اللجوء إليها مرةً أخرى. وتثمن الأسواق المالية التجارب التاريخية للمقترضين بما في ذلك الدول، كما تثمن التزامهم بسداد الديون والخطوات والسرعة المتخذة في سبيل ذلك.
ولم تكتف السياسات المالية بسداد الديون فقط بل نجحت في بناء احتياطيات حكومية ضخمة تقترب من نحو 1.7 تريليون ريال في الوقت الحالي. وسيجلب تكوين هذه الاحتياطيات المزيد من الإيراد لخزانة الدولة، كما أنه يعزز ملاءة الدولة المالية. وسيوفر بلا شك غطاءً مستقبلياً للاحتياجات المالية، وضمانات لاستمرار الإنفاق على مشاريع التنمية الحالية الضرورة، واستمرار التحفيز المالي للاقتصاد المحلي حتى عند تراجع الإيرادات لفترة معقولة من الزمن. وتوفر كل هذه العوامل مجالاً لمرونة الإنفاق الحكومي واستدامته لعدة سنوات، كما تقلل من مخاطر تبني سياسات انكماشية عند نشوب الأزمات مما يدعم معدلات النمو في الأمد المتوسط. وتكفي الاحتياطيات الحكومية لتغطية إنفاق المالية العامة لفترة من الزمن تتجاوز 18 شهراً. ومن المستبعد توقف الإيرادات بالكامل خلال أي أزمة، ولكن قد تنخفض بنسب معينة وهذا يعطي مجالاً أطول لهذه الاحتياطيات لتغطية نقص الإيرادات لفترة زمنية قد تصل إلى ست أو سبع سنوات، حيث يمكن تحمل حدوث عجز مالي متوسطه مثلاً 300 مليار ريال في العام، والاستمرار على نسق الإنفاق الحالي لمدة تقترب من ست سنوات قبل اللجوء إلى الاستدانة. وقد أدى تكون هذه الاحتياطيات وانخفاض الدين العام إلى جعل ارتفاع معدلات الفائدة داعماً لاستدامة المملكة المالية على النقيض من الدول الأخرى والذي تمثل زيادة الفائدة زيادةً في التزاماتها تجاه المقرضين.
وتملك المملكة أيضاً مصادر أخرى يمكن استخدامها في حالة تدني أو نفاد الاحتياطيات لمواصلة مسيرة التنمية، حيث يمكن وكخطوة إضافية اللجوء إلى الاستدانة من السوق المحلية لتغطية العجوزات المالية بمتوسط مقداره 300 مليار ريال لست سنوات أخرى قبل تجاوز مستويات الدين الوطني لعتبة 60 في المائة من الناتج المحلي، والذي يعتبر مستوى آمناً ومقبولاً بالمعايير الدولية. كما يمكن للدولة بيع بعض الأصول التي تملكها في الشركات والمؤسسات الإنتاجية والتي تمثل رصيداً يمكن استخدامه لفترة من الزمن. وتشير التطورات الحالية إلى أن المملكة تتمتع بمستويات ملاءة مالية أكثر من ممتازة في المديين القصير والمتوسط، ولكن هذا لا يلغي وجود مخاطر محتملة على الأمد الطويل، حيث يمثل هاجس نمو النفقات بمعدلات أسرع من نمو الإيرادات مصدراً لهذه المخاطر.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي