Author

هل فعلها المصرفيون؟

|
هناك مناطق قليلة من النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة أكثر تسييساً من تمويل الإسكان. ورغم هذا فإن اليسار الفكري كان بالغ التأني في إعفاء الجهات التنظيمية، وتفويضات الإقراض الحكومي، ووكالات مثل فاني ماي وفريدي ماك، من أي مسؤولية عن طفرة الازدهار وما أعقبها من انهيار. والأساس المنطقي هنا واضح: فإذا تم تحميل المسؤولين والمؤسسات والسياسات المسؤولية عن هذا فإن أجندة الإصلاح سوف تتحول بالضرورة من تنظيم عمل المصرفيين الجشعين والمكافآت التي يحصلون عليها إلى طرح تساؤلات أوسع نطاقا. فهل تسهم الصلاحيات الحكومية في نشوء السلوكيات السيئة من قِبَل جهات فاعلة خاصة؟ وهل يمكننا أن نأتمن القائمين على التنظيم على المفاضلة بالشكل اللائق بين الاستقرار المالي والسياسات التي تحظى بدعم سياسي واسع النطاق؟ بل هل تستطيع البنوك المركزية أن تكون مستقلة حقا؟ إن عدم التشكيك في قبول منح الحكومة دوراً أكبر في ترويض الأسواق من شأنه باختصار أن يفسح المجال أمام التساؤل عما إذا كان ذلك الدور قد يتحول في بعض الأحيان إلى جزء من المشكلة. كانت مهمة اليسار سهلة في الهيمنة على المناقشة، ويرجع هذا جزئياً إلى أن محاولات اليمين الفكري إلقاء كل اللوم عن الأزمة على الحكومة غير قابلة للتصديق على الإطلاق. ولعل الحجة التي كانت لتصبح أكثر قبولاً وصحة أن نزعم أن الجميع ــ المصرفيين، والأسر، والجهات التنظيمية، والساسة ــ أسهموا (ونسبوا إلى أنفسهم الفضل) في حدوث الطفرة طيلة مدة بقائها، ثم انقلب منهم يوجه أصابع الاتهام للآخرين بعد انهيار الطفرة. ولكن إصغاء المصرفيين للنصائح السياسية في أعقاب الأزمة ــ حيث تقبلوا عمليات الإنقاذ العامة أولا، ثم دفعوا لأنفسهم علاوات ومكافآت ضخمة وكأن شيئاً لم يتغير ــ ضمن تحملهم نصيب الأسد من اللوم، مع استعداد كل الأطراف الأخرى لارتداء زي الضحية الغافلة. ونتيجة لهذا فإن استجابة السياسة العامة كانت خاضعة لهيمنة سرد مفاده أن "المصرفيين هم السبب". ومكمن الخطر هنا هو أن هذا التوجه منقوص ــ وبالتالي فمن غير المرجح أن يكون فعّالاً. ولإنفاذ القانون، فإن الجهات التنظيمية تقوم دورياً باختبار امتثال البنوك بقانون إعادة الاستثمار المجتمعي. ومن أجل شحذ تأثير عملية "الفرض التنظيمي"، تقوم الدراسة الحديثة بمقارنة سلوك البنوك الخاضعة للفحص (والذي يتم على مدى عِدة أرباع من السنة) بسلوك البنوك غير الخاضعة للفحص في منطقة معينة وشهر بعينه. والنتائج واضحة. فمقارنة بالبنوك غير الخاضعة للفحص، كان حجم القروض التي قدمتها البنوك في المناطق الست المحيطة باختبار قانون إعادة الاستثمار المجتمعي أعلى بنسبة 5 في المائة، وكانت هذه القروض أكثر عُرضة للجنوح بنسبة 15 في المائة أعلى بعد عام واحد من تقديمها. وبعبارة أخرى، فإن البنوك الخاضعة للفحص تقدم قروضاً أكثر وتقدم قروضاً أكثر مجازفة ــ وتصبح هذه النتائج أكثر وضوحاً في المناطق التي يغطيها القانون. إن الدراسات الاقتصادية القياسية الجيدة تحرص على فحص التأثيرات الثانوية من أجل إقناع القراء بأن التأثير الرئيسي هو ما هو عليه. كانت الأداة الأولية التي تستخدمها الجهات التنظيمية لفرض الالتزام هي سلطته في رفض طلبات البنوك غير الممتثلة للقانون بإنشاء فروع جديدة أو تنفيذ عمليات اندماج. وأثناء طفرة ازدهار الرهن العقاري الثانوي، كانت البنوك الضخمة أكثر ميلاً إلى الرغبة في التوسع، وبالتالي فإن حافزها إلى الامتثال كان أكبر. وتجد الدراسة إن الإقراض بموجب قانون إعادة الاستثمار المجتمعي من قِبَل البنوك الأكبر حجماً يستجيب في واقع الأمر لفحص القانون. وبسبب الطريقة التي بنيت عليها الدراسة، فإنها تشير فقط إلى حد أدنى من التأثير على مدى الامتثال لقانون إعادة الاستثمار المجتمعي. فهي تركز على التأثير المتباين الذي يخلفه القانون على البنوك الخاضعة للفحص والبنوك غير الخاضعة له. والواقع أنه من المرجح أن تكون كل البنوك قد زادت من مستويا إقراضها بما يتفق مع القانون. ولكن الدراسة لا تستطيع أن تقيس هذه الزيادة. هناك مجال للتخمينات الضخمة في الاقتصادات المختلفة ــ بعضها قائم على الحدس، وبعضها قائم على المنطق السليم، وبعضها الآخر قائم على الإيديولوجية. وإذا كان لخبراء الاقتصاد أن ينتظروا الدراسات المتأنية قبل عرض آرائهم بشأن السياسات، فما كنا لنجد شيئاً يقال في الوقت المناسب. ومن المؤكد أنه من الأفضل نجد بعض الحدس الاقتصادي يوجه السياسات على أن لا يكون لدينا أي شيء منه على الإطلاق. وعلى نطاق أوسع، تشير الدراسة إلى أننا لابد أن نتجاوز إلقاء اللوم على المصرفيين. يتعين علينا أن ندرك أن الضوابط والتوازنات الأساسية انهارت بسبب رغبتنا في توسيع ملكية المساكن. وكانت الأسر والساسة والجهات التنظيمية أيضاً شريكة في الجريمة. وبينما نمضي في عملية الإصلاح، يتعين علينا أن نضع في الحسبان أن الشيء الوحيد الأسوأ من خوض الحرب الأخيرة هو خوض الحرب الأخيرة الخطأ. خاص بـ «الاقتصادية» حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2012.
إنشرها