فاتورة الوزير

|
في يوم صيفي من أيام 1993 التقى جوناثان ايتكن في مقهى باريسي بصديق جديد. وبعد ساعة، خرج دون أن يدفع الفاتورة. عرف الناس بالقصة في أبريل 1995 حين نشرت صحيفة ''الجارديان'' تحقيقا على صفحتها الأولى، أثار سؤالا بسيطا ، لكنه بدا للناس شديد الأهمية: ''من دفع الفاتورة؟ كان ايتكن نجما صاعدا في سماء السياسة البريطانية. فهو الوزير المسؤول عن مبيعات الأسلحة، وعين في وقت لاحق وزيرا للمالية. وهو منصب يؤهل شاغله ـــ حسب العرف الدارج ـــ لرئاسة الحكومة أو الحزب الحاكم. لكن الصحافة الحرة ''جابت فيه العيد'' كما يقول أهل بلدنا . في 1999 وقف جوناثان ايتكن أمام القاضي الذي حكم عليه بالسجن، بعدما خسر الوزارة وخسر مقعده البرلماني، وانهار مستقبله السياسي. ''الفاتورة'' هي كل المسألة. اكتشف صحافي شاب أن شخصا ما قد دفع فاتورة الوزير. فتساءل في نفسه: ما السبب الذي يدعو شخصا للإنفاق على شخص آخر، صادف أنه وزير لمبيعات الأسلحة؟ تحقيقات الصحافي قادته إلى كشف تعاملات غير قانونية تتضمن دفع رشا لنافذين أجانب لتأمين مبيعات عسكرية. ناقشت أحد أساتذتي يوما حول دور القضاء والبرلمان والصحافة في تطهير المجتمع السياسي، فقال لي إن فصل السلطات عامل مهم، لكن الصحافة هي الأداة الأكثر فاعلية، لسبب بسيط هو أن تلك المؤسسات تحتلها النخبة التي قد تتوافق ـــ ضمنيا على الأقل ـــ على السكوت أو التكاذب. لكن الصحافة لا تسكت طالما وجد قانون يحمي حق التعبير والنشر. لهذا فإن معظم قضايا الفساد التي كشفت في الدول الصناعية، ظهر خيطها الأول في الصحافة. يؤدي الفساد المالي والإداري إلى إضعاف هيبة الدولة، وإثارة الارتياب في مشاريعها. من المؤكد أن كبار رجال الحكم في أي دولة حريصون على نقاء المؤسسات التي يرأسونها. في المقابل، يصطنع الفاسدون ألف طريقة وطريقة لتسويغ مسلكهم وإبرازه كممارسة شريفة وعادلة. الصحافة الحرة هي الأداة الوحيدة القادرة على كشف الفساد المستتر. حرية الصحافة لا تعني ــــ فقط ــــ السماح بالحديث عن وجود فساد أو الحاجة إلى مكافحته. بل تعني تحديدا توافر قواعد قانونية تحمي الصحف والصحفيين من انتقام الفاسدين وحلفائهم. لا معنى لحرية الصحافة إذا كان الصحفي سيخسر وظيفته بعد نشره تحقيقا عن حالات فساد. ولا معنى للحرية إذا عوقبت الصحيفة بحجب الإعلان عنها أو منع النشر فيها أو طرد مراسليها. يعرف الناس مئات من حوادث الفساد، وثمة جديد يظهر كل يوم. من المشكوك فيه أن تستطيع هيئة متخصصة متابعة هذه الحوادث، فضلا عن التحقيق في كل واحدة منها. لكن الصحافة تستطيع إذا ضمن القانون حريتها ووفر لها الحماية اللازمة. ربما لا يخشى الفاسدون من المحاكم، لأنهم يستطيعون تدبير أقوى المحامين. لكنهم يخشون الصحافة، لأنهم ـــ ببساطة ـــ يخشون الفضيحة أكثر مما يخشون ربهم وأكثر مما يخشون القانون. تطهير بلدنا من الفساد رهن بتوفير الضمان القانوني لحرية الصحافة. لسنا في حاجة إلى إعادة اختراع العجلة. وجد الفساد قبل أن نعرفه. وعرف علاجه قبل أن نتحدث عنه. وطالما تأكدنا من فاعلية الدواء، فلنجربه علاجا لعلتنا، والباقي على الله.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها