الكلمة في محنة !!

الكلمة المنطوقة في الفضائيات أو المكتوبة في الصحف والمواقع الالكترونية، تكون ذات خطر بالغ وتأثير عظيم، لاسيما إن صدرت من لسان وثق الناس في صدقه، ومن عقل وثق الناس في رجاحته، ومن قلم وثق الناس في مداده، ومن ثم كان تحري الصدق والدقة والموضوعية فريضة يجب على كل صاحب فكر أو قلم أن لا يحيد عنها مهما كانت الضغوط أو المُغريات.

شهرة الكاتب أو المفكر مسؤولية كبرى تقع على عاتقه، بل هي لجام متين للسانه وقلمه حين تدق ساعة الجد والخطر، إذ يكون لزاماً عليه أن يتخلى عن مطالب نفسه وشهوات ذاته، فيتسامى فوق ما تهواه نفسه ليصل إلى ما ينشده مجتمعه ووطنه، فلا ينطق إلا بالحق ولو كان مُراً ولا يقول إلا الصدق ولو كان جهراً، واضعاً جلال الله وصالح الوطن نصب عينيه.

لقد غاب عن ألباب شريحة من النخبة - في زحمة البحث عن التافه والدنيء من العرض الدنيوي الزائل - أن الكلمة قد تهدى وقد تضل، وقد تجمع وقد تفرق، وقد تثبت وقد تزعزع، وقد تبنى وقد تهدم، وقد تسعد وقد تشقى، ومن ثم أطلقوا الألسنة والأقلام من عقالها، فراحوا يصدرون إلى الجماهير الريبة والشك والتوتر، باحثين في الماء العكر عن زعامة أو وجاهة وهمية، فغرهم تلهف الفضائيات عليهم ومثول صفحات الجرائد بين أيديهم، فنصبوا للأكاذيب سرادقاً تُذبح عند بابه كل معاني الشرف والأمانة.

إن الدنيا بُنيت على النقائض.. موت وحياة.. حركة وسكون.. ليل و نهار.. وهكذا، ومن ثم فلا تستقيم الدنيا على نقيض واحد، بل لا تقوم لها من الأساس قائمة، فكل من عاش الحياة حتماً سيذوق الموت، وكل مارس الحركة لابد أن يخلد إلى السكون، فإذا كان الكلام مثل الحركة، فلن يستطيع اللسان أو القلم أن يتحركا بإتقان على مدار الكلمة لينسجا قولاً سديداً طوال الوقت، فإما أن يزهدا.. أو يتعبا.. أو يترنحا، وحينئذٍ سيحدث السقوط الذي لا يعقبه انتصاب، وهنا يتوجب السكوت من أجل استرجاع الطاقة، واستدعاء الحكمة، وشحذ همة العقل كي يراقب فعل اللسان والقلم.

والله إن القلب ليحزن حين يرى دوامة الثرثرة وقد سحبت ألسنة النخبة نحو مركزها اللعين، فراحوا يتكلمون.. لماذا؟.. لا نعرف..، حتى لكأنهم قد عزفوا عن السمع الذي خُلقت له أذنان ليكون السمع أكثر من الكلام، لكنها شهوة تبحث عن شهرة، أو نزوة تفتش عن متعة، والمحصلة حالة ضبابية تتوه فيها الفكرة، وتضيع فيها الحكمة، فلا يسمع أحد إلى أحد، لأن الكل يريد أن يتكلم بلا حد وبلا سقف، وهنا تسقط قيم التحضر والاحترام والأدب، وتعلو مفردات الجهل والسفاهة.

لقد تزايدت وتيرة لغة القدح والسب، والأدهى أن مفرداتها طفت على سطح الإعلام المسموع والمقروء والمشاهد بسرعة هائلة، فأضحت آذاننا و أبصارنا تلتقط ألفاظاً كنا نعتبرها فيما مضى ألفاظاً جارحة للحياء أو خارجة عن الذوق العام، الأمر الذي يعطى إحساساً بأن رقعة ومساحة هذه الألفاظ الغريبة على بيئتنا سوف تتسع، ما لم تكن هنالك وقفة لضبط إيقاع التعبير والرأي على محور الحرية السليم، بحيث توضع أطر وحدود لا يجب تخطيها مهما كانت المبررات والأسباب.

إن الإسلام قد أمر بالقول اللين، والقول الحسن، والكلمة الطيبة.. قال تعالى { فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى }، والأمر من الله لموسى وأخيه هارون عليهما السلام، لمن؟ لفرعون.. لماذا؟ رجاء أن يهتدي!، قال تعالى { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ }، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا }، ففي هذه الآيات وغيرها أوامر ربانية نورانية تحمل دعوة صريحة لبذل العناية في إخراج الكلمة نطقاً أو كتابة، فلا تخرج إلا جميلة.. نقية..هادئة.. هادفة، ليس لفئة دون فئة، ولكن لكل الناس على اختلاف مناصبهم ودرجاتهم.

ويبقى الشعر:
وما من كــاتب إلا سيفنى … ويبقى الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء … يسرك يوم القيامة أن تراه

فهلا تريثنا.. ودققنا.. من قبل أن نندم.. حين لا ينفع الندم..؟!.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي