لماذا ترغب في الاحتراق ؟!
لا يوجد بين الكائنات كائن يسعى لحرق نفسه بلا ثمن كسعي الإنسان، فهو من يبحث - دائماً - عن الاحتراق بلا ثمن من خلال سلوكياته الشاذة وتعاملاته الجائرة مع الحياة والأحياء، وعليه فليس عجيباً أن يسعى لصناعة أشياء تدمره، وتدمر ما حوله، وكأنه قد خُلق ليسوق الحياة إلى نهايتها!.
وأوسع طريق يدمن الإنسان السير فيه نحو هدم كيانه هو "الشهوات"، فكل مصيبة تبدأ بشهوة، وكل خطيئة تبدأ بشهوة.. فالقتل يبدأ بشهوة الانتقام أو التشفي، والسرقة تبدأ بشهوة حب المال أو عشق التملك.. وهكذا فالشهوة المُزينة من جن أو إنس هي ماء النار الذي يسكبه الإنسان على نفسه، أو على بيئته، أو على مجتمعه في لحظة طيش، أو غياب وعى، فيحرق نفسه، أو يحرق غيره.
والإنسان يعيش حالة صراع متدرجة ومستمرة مع شهواته ونزواته، ونقطة الانطلاق تبدأ من العقل تحت مؤثر ما، فينشغل العقل بالتخيل الذي قد يتحول بدوره إلى مرض، ومن ثم تتحكم الشهوة في قيادة دفة التفكير، فيصبح المرء أسيراً لها، وبذا تملى شروطها، وتبسط نفوذها، ثم تقوده إلى التنفيذ والتكرار، والدوران في ذات المدار!.
وقد يظن المرء حين يقضى شهوته أنه قد تخلص من ضغطها على بنات أفكاره، وهو ظن أحمق ينطوي على مخادعة للنفس، لأن الشهوة مثل الماء المالح الذي يحض على الظمأ، ومن ثم فإن الخضوع لها يشكل أكبر داع إلى ممارستها.. وهكذا يتكرر السقوط في كل مرة.
إن تلبية مطالب الشهوات لا يزيد المرء إلا تعلقاً بها وطموحاً في الوصول إلى أعلى درجاتها، لأن لها لذة ولو كانت قصيرة المدى، فلو اشتهى الإنسان مالاً، فلا يزيده جمع المال إلا رغبة في طلب المزيد، ولو اشتهى الإنسان وادياً، فلا يزيده امتلاكه إلا شوقاً في اقتناء الثاني والثالث.. وهكذا "لا يملأ جوف بن آدم إلا التراب"، وصدق سليمان الحكيم حينما قال: "العين لا تشبع من النظر، والأذن لا تمتلئ من السمع.. كل الأنهار تجرى إلى البحر، والبحر ليس بملآن".
إن شهوات مُورست في لحظات ضعف كَبَدَت أهلها هماً طويلاً.. فهذا إدمان لمسكر أو مخدر.. دمر بدناً، وأهلك مالاً، ووطن مرضاً، وهذه شهوة فرج.. هدمت عفة، ودهست فضيلة، ودمرت أخلاقاً، وهذه شهوة حقد.. أزاحت حباً، وقطًّعت وشائجاً، وجلبت عداوة، وهكذا تحرق الشهوات الفرد، كما تُهلك المجتمع على المستوى الخلقي والبدني.
فإذا كان من المستحيل أن يعيش البشر بلا رغبة أو شهوة لأنهم ليسوا مجتمعاً من الملائكة، فلتكن لهم رغبات وشهوات في إطار المنهج الرباني والهدى النبوي، بمعنى أن تُصًّرف الشهوة بطريق حلال أحله الله ورسوله، فذاك هو الطريق السديد الذي لا طريق سواه لتحقيق المعادلة بطاعة الله فيما أمر، وإشباع متطلبات الجانب الطيني في حدود هذه الطاعة.