البنوك والاستثمار الرياضي في الأكاديميات

|
المتتبّع للحركة الاقتصادية يجد أن العلاقة بين الرياضة والاقتصاد تعتبر علاقة قديمة ووطيدة، حيث تحولت الأندية الرياضية في أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية وعدد آخر من دول العالم إلى مؤسسات تجارية تتحدث بلغة المليارات وتدرج أسهمها في البورصات العالمية وتدر أرباحا طائلة بل ارتفعت عائداتها المالية بصورة خرافية عبر استثمارات مختلفة ومتعددة، حالها في ذلك حال أي شركات تجارية وصناعية ومالية تعمل على أسس ربحية، وتنامت هذه العلاقة في السنوات الماضية بصورة سريعة وأصبحت العلاقة التبادلية بين الاقتصاد والرياضة تأخذ الجدية والاحترافية في العمل الاستثماري، بحيث أسهم الاستثمار في المؤسسات الرياضية في إحداث نقلة نوعية في المنشآت الرياضية والاقتصادية وتطوير الألعاب وزيادة المداخيل عبر مشاريع كثيرة منها تبني المواهب الرياضية ولذلك لجأت كثير من الدول الأوروبية وعلى وجه الخصوص فرنسا لتبني مواهب في كرة القدم من إفريقيا وتوقيع عقود معهم في سن مبكرة ومن ثم تدريبهم وتأهيلهم وصقل مواهبهم وبيع عقودهم بمبالغ تحقق لهم أرباحا خيالية. وحيث إن الاستثمار يلعب دورا مهما وحيويا في تطور المجتمعات والبلدان وهو واحدة من أهم العمليات الاقتصادية ذات النفع الكبير والمردود الإيجابي نحو بناء استراتيجية اقتصادية مستقبلية تدعم الفكر التجاري لإدارات الأندية وتحول الجماهير وأعضاء الشرف وغيرهم إلى عملاء تجاريين تعود عليهم الأرباح المجزية من خلال استثماراتهم وخاصة الاستثمار في المنشآت الرياضية، والعائد في صناعة الرياضة والرؤية التجارية للاستثمار هو أن يتحول الداعم من داعم متبرع مثلما يحدث في كثير من الأندية العربية في وقتنا هذا إلى داعم يحقق أرباحا ومداخيل من خلال دعمه واستثماره في منشآت الأندية وأكاديمياتها الرياضية وضمن برامج الاستثمار هذه يمكن للأندية أن تتحول إلى مشاريع تجارية متطورة، دون أن يمس ذلك بالأخلاق والضوابط والمفاهيم الرياضية والنهج الرياضي الصحيح، ففي أوروبا التي تدار أنشطتها وفق هذه التصورات يتم الالتزام بالمبادئ الخاصة بالتقاليد الرياضية، فالبطولات الأوروبية الحالية تسهم في تقديم رياضة راقية، وفي نفس الوقت تدر عائدات تقدر بالمليارات من الدولارات. لقد أصبحت الرياضة الآن مصدر دخل هائل في العالم كله وأصبحنا نسمع عن أرقام تعتبر خرافية، إن كانت في تسجيلات اللاعبين أو دخول المباريات أو مداخيل الأندية والاتحادات من خلال المشاريع الاستثمارية ومنها الاستثمار في عقود اللاعبين وغيرها، وتجارة كرة القدم حدث فيها تغيرات هائلة على مر الزمن، ففي عام 1928 قام أمين الصندوق للاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" ويدعى هيرش وأعلن أن الاتحاد لديه عجز في الميزانية قدره ستة آلاف فرنك سويسري، أما الآن فإن الاتحاد الدولي لكرة القدم يعطي إعانة سنوية لكل دولة من أعضائه تزيد على 1.5 مليون دولار علما أن عدد أعضائه يزيد على 200 دولة، أي أن الاتحاد الدولي يعطي مساعدات تراوح بين 250 مليون دولار و300 مليون دولار سنويا وذلك لتطوير كرة القدم وهذا يعكس حجم ومدى نجاح الاستثمار في الرياضة ما أحدث طفرة في اقتصاد كرة القدم في العصر الحديث، وبناء الاستثمار الرياضي الحقيقي للأندية الرياضية يتأسس من خلال تبني المواهب الرياضية من ذوي الأعمار الناشئة ومن ثم بيع عقودهم. وحيث إن الأمير نواف بن فيصل بن فهد بن عبد العزيز الرئيس العام لرعاية الشباب قد دشن مشروع الأكاديميات الرياضية في الأندية السعودية، وذلك في قاعة الأمير فيصل بن فهد باللجنة الأولمبية السعودية بالرياض الأسبوع الماضي، وهو إيذان ببداية جديدة للدخول في مجالات الاستثمار الحديث، وهو بلا أدنى شك مشروع له مدلولات متعددة ومعانٍ تحمل في طياتها الأمل، أهمها أنه يعنى ببناء الإنسان الرياضي السعودي منذ الصغر ويحتاج إلى كل أشكال وأنواع الدعم والمساندة إن كانت تنظيمية أو إدارية أو فنية، وبالطبع أصبح كل ذلك يعتمد على الأمور المادية، وهو تخطيط سليم يؤمن للرياضة السعودية مستقبلا زاهرا، بل إن هذا المشروع سيحدث نقلة نوعية في مفهوم الرياضة عند الكثيرين ويضع الرياضة السعودية في مقدمة الدول المتقدمة في المجال الرياضي لأنه سوف ينشئ جيلا رياضيا متكاملا يحمل الراية ويحقق الأهداف والنتائج التي تليق باسم المملكة في المحافل الدولية، وسيصبح نموذجا مثاليا تقتدي به الدول العربية الأخرى، وتدشين الأمير نواف لهذا المشروع وتأسيس أكاديميات رياضية مختلفة في جميع مناطق المملكة أساسها الأندية، يفرض واجبات على قطاعات كثيرة للتعاون والاستثمار في هذا المجال الحيوي الذي سيكون له مردود مادي ومعنوي خلال السنوات القادمة - بإذن الله. وأول ما أريد أن أشير إليه بالتوجه نحو الاستثمار في هذه الأكاديميات هو البنوك، والبنوك يجب أن تلعب دورا له خصوصيته في هذا المجال، وإذا عدنا بالذاكرة للوراء نجد أن استثمار البنوك ظهر في الاقتصاديات الصناعية الغربية الرأسمالية ومع تطور هذه الاقتصاديات وتعدد متطلبات الخدمات المالية والاستثمارية، وارتفاع الحاجة إلى التخصص المؤسسي المالي والبنكي منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وقد تغيرت أدوار وتخصصات البنوك في معظم دول أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية ولعدة فترات من الزمان، فمن بنوك تجارية تقليدية تهتم بالودائع الجارية وقصيرة الأجل والتمويل قصير الأجل المضمون بالسندات التجارية، إلى أن امتدت لقروض طويلة الأجل لمؤسسات بنكية متخصصة، إلى بنوك تجارية تمتد خدماتها لتدير أموال العملاء في محافظ وصناديق تستثمر في الأصول من أسهم وسندات متداولة داخل السوق المالية وخارجها إلى بنوك تدخل مجالات الاستثمار بكل أشكالها وأنواعها، ومن هنا على البنوك التجارية والاستثمارية في المملكة ولوج هذا المجال وهو من المجالات الحديثة والمضمونة العوائد لأن الاستثمار يشتمل على عدة مداخل لتحقيق الأرباح أولها بضمان الأراضي التي يتم الاستثمار فيها، ثم يأتي دور المنشآت الرياضية من ملاعب وقاعات وصالات تستخدم لكل الأغراض وملحقاتها من أسواق ومحال تجارية ومطاعم، هذا بجانب بيع عقود اللاعبين وابتكار الأساليب التي من شأنها فتح قنوات متعددة لموارد مالية جديدة تدعم خزينة المستثمرين والأندية والأكاديميات الرياضية وخلق فرص وأوعية استثمارية، ومن أنجحها احتضان الجيل الناشئ عبر برامج الإعداد والتأهيل في الأكاديميات التي تنشئها الأندية بشراكات مع البنوك وغيرها من المستثمرين، والذي يعتبر الآن من أساسيات الأداء الاقتصادي للأندية. إن الرياضة أصبحت عملا تجاريا ناجحا بل تعتبر صناعة مربحة لأن الرياضة تطورت على المستوى العالمي تطورا كبيرا، وأصبحت صناعة مهمة شأنها شأن الكثير من الصناعات، بل نستطيع أن نقول إنها تفوقت على كثير من أنواع الصناعات ما دعا الأندية والاتحادات إلى فتح قنوات جديدة لتنمية الموارد المالية وهذا بلا شك سيفتح الباب للبنوك التجارية والاستثمارية للاستفادة من هذه القنوات وأولاها مشروع الأكاديميات الرياضية الذي سيحدث طفرة تغير جذور الرياضة ومصادر دخلها التقليدية ويتيح هذا المشروع الفرصة للبنوك لتبادل المصالح مع الأندية الرياضية من خلال هذه الأكاديميات والتي ستصبح أهم العناصر للأداء الاقتصادي للأندية من خلال احتضان الجيل الناشئ وتوفير البيئة المناسبة لهم لتعليمهم وتأهيلهم التأهيل المناسب ليحققوا للنادي إنجازات جديدة ومداخيل جديدة، حيث إن الحملات الإعلامية والدعائية للاعبين وخاصة الموهوبين والمبدعين من الناشئين أصبحت رافدا قويا لخزينتها. إن الاستثمار في أراضي الأندية الرياضية عبر هذه الأكاديميات، يعد من أهم الموضوعات والقضايا المطروحة اليوم في مجال الرياضة المحلية والعالمية، حيث أصبحت الرياضة استثمارا على جميع المستويات والأصعدة، من تسويق المنتجات، إلى تسويق المدربين والأندية واللاعبين والشعارات. إن اهتمام البنوك بالرياضة والاستثمار فيها يصب في خدمة المجتمع وخدمة الوطن وتحقيقا لأرباح عبر مصادر دخل مبتكرة وخلق وإبراز فرص استثمارية رياضية جديدة عبر مشروع الأكاديميات، وإذا تفهمت إدارات البنوك أن الرياضة باتت تمثل مستقبلا استثماريا واعدا يرى فيه الكثير من رجال الأعمال والمستثمرين فرصا واسعة لاستثمارات متنامية في الكثير من القطاعات، لاقتحموا هذا المجال بكل ما لديهم من إمكانات استثمارية، ونحن نؤكد أن هذا المجال سيصبح في القريب العاجل واحدا من أهم موارد الدخل وتحقيق الأرباح والنهوض بمداخيل المستثمرين والأندية على حد سواء، ونجاح هذه الأكاديميات لن يكون أمل كرة القدم السعودية فقط لتحقيق إنجازات عالمية في مجال كرة القدم وغيرها من الرياضات بل سيكون أمل الأمة أجمعها.
إنشرها